<u><font size=+1>هوامش تفسيرية للمقال السابق:
</u></font>
(1)فلسفة ابن رشد غنية جداً، يصعب على الناظر جمع عناصرها في مقال واحد، ولكنا نستطيع أن نرجعها إلى مسألتين أساسيتين:
المسألة الأولى مسألى تركيبية انتقائية جمع فيها أبو الوليد بين الدين والفلسفة. وقد تم له هذا الغرض من كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الأتصال" وكتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد ألملة" . ولعل مقالته: في أن ما يعتقده المشاءون وما يعتقده المتكلمون من أهل ملتنا في كيفية وجود العالم متقارب في المعنى، تشتمل على هذا الغرض أيضاً. وقد استطاع أن يجمع بين الحكمة والشريعة كما ذكر البارون (كارا – دو - فو) بواسطة التأويل، وهذا ما فعله أيضاً في الجمع بين الأدلة المتناقضة في مسألتي القضاء والقدر والجور والعدل. فلم يتبع فيهما طريقة الأشعرية ولا طريقة المعتزلة، بل طريقة متوسطة، تشتمل على محاسن الطريقتين، وتتجنب مساوئهما، وقد سبقه الفارابي إلى هذه الطريقة في "الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو". قال ابن رشد في الكشف عن مناهج الأدلة عند البحث في القضاء والقدر: "الظاهر من مقصد الشرع ليس هو تفريق هذين الاعتقادين وإنما قصده الجمع بينهما على التوسط الذي هو الحق في هذه المسألة. وذلك أن الله تبارك وتعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضداد، لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواناة الأسباب التي سخرها الله لنا من الخارج وزوال العوائق عنها كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعاً" أي بالإرادة وموافقة الأفعال الخارجية لها. وما أتينا بهذا المثال إلا لنبين أن فلسفة ابن رشد التركيبية فلسفة بسيطة لم تتغلب على المشاكل إلا بالإعراض عنها.
أما المسألة الثانية فهي تحليلية انتقادية تجدها في شرحه لكتب أرسطو وانتقاده لمن نقدمه من الشارحين ورده على المتكلمين والغزالي وابن سينا. وقد ذكر البارون (كارا – دو – فو) في مقاله طريقة ابن رشد في شرح كتب أرسطو ولم يذكر طريقة ابن رشد الانتقادية ونظن أن هذا القسم الانتقادي هو الصفة الأساسية التي تمتاز بها فلسفة ابن رشد على غيرها. فهو يبين في انتقاده مراتب الأقاوايل في التصديق والإقناع وقصوراً أكثرها عن رتبة اليقين والبرهان، ولذلك يذكر في انتقاده كلام خصومه فيناقشه ويفنده ثم يبين أنه سفسطائي أو خطابي أو جدلي ويعين درجته في مراتب الجدل: لأن القول الصحيح لا يجوز أن يكون خطابياً ولا جدلياً، بل يجب أن يكون برهانياً منطقياً.
ولقد ساقته هذه الطريقة الانتقادية إلى مسائل مختلفة منها:
1 – مسألة إثبات الخالق. ذكر ابن رشد في انتقاد طريقة الأشعرية أنها أنبنت على بيان أن العالم حادث، وانبنى عندهم حدوث العالم على القول إن الأجسام مركبة من أجزاء لا تتجزأ وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث والأجسام محدثة بحدوثه: ففريق منهم اعتمد على ثلاث مقدمات هي بمنزلة الأصول لما يرومون استنتاجه. الأولى أن الجواهر لا تنفك في الأعراض، الثانية أن الأعراض حادثة، والثالثة أن ما لا نفك عن الحوادث حادث. وقد رد ابن رشد على هذه المقدمات الثلاث وبين أن الطريقة الشرعية التي دعا الشرع فيها إلى الإقرار بوجود الله تنحصر في أمرين: أحدهما طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجلها، وسمى هذا الدليل بدليل العناية. والطريقة الثانية مبنية على ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء مثل جواهر الحياة في الجماد والادراكات الحسية والعقل وسمى هذا الدليل بدليل الاختراع.
2 – مسألة حدوث الصور. لقد رم ابن رشد ابن رشينا لاذعانه لبعض مقدمات المتكلمين وتقسيمه الوجود إلى ممكن وواجب وقوله إن الصورة لا تتولد في المادة من صورة مادية قبلها، بل يحدثها فيها واهب الصور، وهو عقل مفارق. فمما قاله ابن سينا جعل الموجود مركباً من موجودين متباينين هما الصورة والمادة. ولذلك فهو يرى أن الوالد بالذات للشخص هو شخص مثله، وهذا معنى قول أرسطو إن الإنسان إنما يلده إنسان، وأن الصورة المادية متولدة بالضرورة من صورة مادية ثانية هي في هيولى، وكأنه اجتمعت فيها الضرورة من وجهين: أحدهما من حيث هي موجودة، والثاني من حيث هي هيولى.
3 – مسألة العقل: إن نظرية ابن رشد في العقل تختلف عن نظرية ابن سينا وقد توصل إليها بانتقاد شرح الإسكندر الأفروديسي لآراء أرسطو، فمن المعلوم أن الجوهر العاقل إذا عقل صورة عقلية صار هو إياها. فإذا كانت الصورة العقلية أزلية أبدية كان العقل أيضاً أبدياً. ولكن الإسكندر الأفروديسي قد أخطأ في جعل العقل الهيولاني معرضاً للسكون والفساد فامتنع عليه إيضاح حصول المعقولات فيه. ولذلك وجب أن يكون الجوهر العاقل واحداً عند جميع الناس، لا يولد، ولا يفسد. وأما الذي يفسد ويفنى فهو هذا العقل المنفعل الذي يقبل ما يفيض عليه من العقل الفاعل.
وقصارى القول إن طريقة ابن رشد الانتقادية قد أوصلته إلى جملة من المسائل الفلسفية العميقة وهي تمتاز على فلسفته الانتقائية التركيبية ولولاها لما خلد اسمه في تاريخ الفلسفة ولا كان له هذا الأثر العظيم في فلسفة القرون الوسطى.
<center>------------------
</center>إحصائيات: مرسل عن طريق Hatem — مايو 2nd, 2003, 8:11 pm
]]>