النشاط والراحة
لقد تبيَّن أيضًا أن الصنوبرة والميلاتونين يلعبان دورًا هامًّا في تنظيم إيقاعات يومية أخرى،
منها النشاط الحركي لدى غير الثدييات. فهذا الإيقاع يستمر في شروط العَزْل الزمني طوال فترة تقارب الـ24 ساعة.
وهذه الإيقاعية تختفي لدى بعض الأنواع، الموضوعة في ظلمة مستمرة، بعد استئصال الصنوبرة.
فهل تسيطر هذه على النشاط الموقَّع للثدييات أيضًا؟
على الرغم من شحِّ المعطيات العلمية بهذا الخصوص،
كان معلومًا أن استئصال الصنوبرة يؤدي إلى تكيُّف أسرع لإيقاع الراحة/النشاط بعد حدوث اختلال مفاجئ.
ولنذكِّر أن إيقاع الميلاتونين وإفرازه عند الثدييات محكوم بالهرمون المتوضع في النوى ما فوق التصالب البصري والمتأثِّر مباشرة بالفترة الضوئية.
وبما أن الميلاتونين يبدو وكأنه "عقرب" هذه الساعة البيولوجية فإن حقنه بجرعات منتظمة إبان اليوم،
كما بيَّنت التجارب، تُواقِت النشاطَ الإيقاعيَّ للفأر الموضوع في الظلمة.
وتوحي التجارب التي أجراها علماء من معهد الفسيولوجيا في براغ بوجود صلة بين الميلاتونين
وبين موقعين في منطقة ما تحت السرير البصري؛
وهذان الموقعان قد يقابلان مستقبِلات حقيقية للجزيء، بما يشير إلى وجود تأثير مباشر
ممكن للميلاتونين على الساعات البيولوجية المركزية اليومية.
وأخيرًا، قد تكون للميلاتونين تأثيرات على إيقاعات يومية غير إيقاع الراحة/النشاط:
فربما يمكنه أن يعيد مواقتة إيقاعه هو ويؤثر، ربما، على هرمونات أخرى، كالكورتيزون والبرولاكتين.
الجنس وفصول التناغم الحسن إن التناسل، لدى العديد من الأنواع، لهو من الوظائف الفصلية الملحقة بتطاوُل أو تقاصُر مدة الإضاءة اليومية التي تقابلها، في كلٍّ دورة يومية، مدةٌ من الإفراز الليلي للميلاتونين.
ويُستفاد من هذه المعلومة الزمنية لتنسيق الوظائف الفصلية.
ففي بعض الثدييات، كالخروف واليرنب،
يؤدي استئصال الصنوبرة، على المدى الطويل، إلى خلل في تزامن النشاط التناسلي بالنسبة إلى الدورة السنوية للبيئة.
فضمن هذه الشروط قد يفشل التناسل نظرًا لأن ولادة الصغار لا تقع في الفترة الأنسب لبقائها عل قيد الحياة.
ولقد تبيَّن أن فترة قصيرة من إفراز الميلاتونين، متزامنةً مع الأيام "الطويلة النهار"،
تحرِّض النزو لدى اليرنب (وهو حيوان يتبع نشاطُه الجنسي تطاوُلَ المدة اليومية للإضاءة)،
فيما تؤدي فترة مطوَّلة من إفرازه، تكافئ الأيام "القصيرة النهار"، إلى النتائج عينها لدى الخروف.
ومن ناحية أخرى، يؤدي استئصال صنوبرة الفأرة إلى تحريض النزو وضخامة المبيض،
كما يؤدي تعريضها لمحيط ضوئي شديد إلى النتائج عينها.
أما عند غير الثدييات فيؤدي استئصال الصنوبرة لدى بعض الأسماك إلى تراجع ملموس في وزن المناسل وفي إنتاج الخلايا الجنسية،
وقد يؤدي إلى أثر معاكس. ولقد شوهِد أحد هذين الأثرين أو كلاهما بحسب النوع المدروس ومدة التجارب وموقعها من السنة.
ويمكن لحقن الميلاتونين أن يؤثر على الوظيفة التناسلية، مؤدِّيًا إلى انخفاض في وزن الغدد الجنسية.
ومع أن آلية هذا التأثير ليست معروفة تمامًا بعدُ فإن الفرضية القائلة بأن الميلاتونين يعدِّل نِسَبَ إفراز الهرمونات النخامية المنسلية المتحكِّمة في التناسل هي الأرجح، بما يؤكِّد الصلة الفسيولوجية بين النخامة والصنوبرة.
الإنسان تحت تأثير الميلاتونين
إن وظيفة الصنوبرة البشرية غير معروفة تمامًا بعدُ.
غير أن ما تمَّ التوصُّل إليه في الأبحاث على الحيوان ليحمل على الافتراض بأن بعض الوظائف الفسيولوجية قد تتوقف على الفعل المُواقِت لإفراز الميلاتونين.
وتبيِّن الأبحاث أن أوج إفراز الميلاتونين الليلي يكون بين الساعة الثانية والخامسة صباحًا،
مهما يكن التبايُن الملحوظ في إفرازه بين الأفراد الأصحاء.
وهذه الإيقاعية داخلية المنشأ لأنها تستمر لدى الأفراد الخاضعين للعَزْل زمني.
وتشير النتائج أيضًا إلى أن آثار الضوء على الصنوبرة تمرُّ عِبْر شبكية العين.
ويبدو أن التجارب الأخيرة على الإنسان، بالإضافة إلى الملاحظات السابقة، تشير إلى أن الضوء الطبيعي يتحكَّم في إيقاع،
وبالتالي في مدة إفراز الميلاتونين البشري. وفي غياب الضوء الطبيعي
يمكن لميقاتيات Zeitgeber أخرى أن تتدخل بنجاح – وإنْ لم تكن الحال على ذلك دومًا؛
إذ إن العديد من العميان ذوو إفرازات إيقاعية غير طبيعية.
كذلك فإن إفراز هذا الهرمون يبدي لدى الإنسان أيضًا تغيرات فصلية تتوقف أيضًا على الفترة الضوئية، على ما يبدو.
وتُظهِر غالبية الدراسات في الوقت الحالي انزياحًا إلى الأمام لأوج إفراز الميلاتونين بين فصلي الشتاء والصيف،
يبلغ ذروته في بداية الصيف .
أما المعطيات حول الصلات بين الصنوبرة البشرية والتناسل فهي لا تتعدى النزر اليسير –
وإن كان الأطباء يعلمون، منذ فترة طويلة، بأن أورام هذا العضو ترتبط بنمو مفرط لدى سنِّ البلوغ.
ولقد سمحت الدراسة المقارنة لتراكيز الميلاتونين الليلية بالتوصُّل إلى النتائج التالية:
ترتفع النِّسَب في أثناء الطفولة الأولى، فيما تنخفض إبان النموِّ حتى سنِّ الحلم، ثم تثبت في أثناء النضج،
لتهوي على نحوٍ لا يُستهان به مع الشيخوخة. فهل ثمة صلة سببية بين انخفاض نسبة الميلاتونين وإطلاق تحولات البلوغ؟
لا إجابة علمية قاطعة بهذا الخصوص.
إنما فلنُشِرْ هنا إلى أن إيقاع الميلاتونين، بحسب بعض المؤلِّفين، خاضع لدى المرأة لتبدلات الدورة الشهرية.
يُستفاد من كلِّ ما تقدَّم أن قلاَّبات الصنوبرة، من الفقاريات البدائية إلى الإنسان،
كابدتْ ما لا يُستهان به من التنقيحات، فيما كانت تنمِّي مختلف الآليات الفسيولوجية الرامية إلى الحفاظ على خاصية هامة،
ألا وهي النشاط اليومي. وإن إفراز الميلاتونين ليس غير انعكاس بارز لهذا النشاط، تقوم على مُواقَتَته ميقاتيةُ تناوُب النهار والليل.
والميلاتونين – وهو أشهر الجزيئات–"الرسائل" التي تمِّ اصطفاؤها في وقت مبكر من التطور – لَينقُل ضمن المتعضِّية معلومات زمنية.
وهذه الميقاتية الداخلية تتحكم في مختلف الإيقاعات اليومية لدى العديد من الأنواع، كما تساهم في تنسيق الوظائف الفصلية.
فهل يجوز لنا القول إن العلم، على بقاء ثغرات عديدة فيما توصَّل إليه من مكتشفات، قطع شوطًا هامًّا في درس هذه الغدة؟
ما في ذلك ريب – من حيث إنه (أي العلم) حدَّد عدة محاور للبحث، من الجزيء حتى المتعضِّية.
لكن أهمَّ ما يتعلق بـ"العين الثالثة"،
فيما نرى، سيبقى عصيًّا على العم التجريبي ما لم ينفتح هذا الأخير على معطيات الحكمة القديمة فيما يخص فسيولوجيا الجسم البشري.
_________________
وشكراً
أتمنى الفائدة للجميع
الماستر جولنار
هذه اللحظة هي نقطة قوتي الماضي انتهى والمستقبل لم يأت بعد.
نقطة قوتي هي فقط في هذه اللحظة.
أختار الآن أن أقوم بما يلزم لتغيير حياتي.
إحصائيات: مرسل عن طريق الماستر جولنار — ديسمبر 7th, 2009, 8:35 am
]]>