فعند موت أي شخص فالجزء المادي و الجسدي يختفي بموته...
لكن الجزء الغير ملموس, الجزء العقلاني و الذي هو عبارة عن تموجات و اهتزازات هذا الاهتزاز يأخذ
بالتموج و التحرر و الانشراح... و في ذلك الحين عند تواجد رحما جاهزا لاستقبال
تلك التموجات.. فستدخل حينها للرحم و تستقر فيه..
و تتجمع تلك الطاقة التي لا نفس لها و لا وجود لأحد و لا تتخذ أي شكل مادي ..
و إنما عبارة عن دفعة من الاهتزازات و التموجات من الطاقة المتجمعة..
و هي ذات القفزة التي تتخذها الأنا برغباتها و طموحاتها القديمة قبل انفصالها عن الجسد المادي.. و التي تستمر معها من الحياة إلى ما بعد المماة..
في هذه اللحظة انظر من حولك إلى أي حائط.. بطبيعة الحال لا يمكنك العبور من خلاله و الا تأذيت..
في نظر الفيزياء الحديثة ليس هناك أي تواجد للمادة .. بل كل شيء عبارة عن
طاقة صافية تتحرك بسرعة كبيرة و تلك الحركة تخلق لك وهما بوجود شيء له تجسد مادي..
و الشيء ذاته ينطبق على المروحة الهوائية, عند حركتها السريعة لا يمكنك ملاحظة و رؤية مجارفها...
و هي عبارة عن ثلاثة مجارف كل متواجدة على حدة, لكن حركتها السريعة تظهر لك و كأنها صحنا لا يمكنك من رؤية الفجوات بينها..
و إذا كانت المروحة بنفس سرعة الالكترونات ..
عندها بامكانك ان تجلس على المروحة و كأنك جالسا على كرسي دونما ان تسقط من فوقها... و من سرعتها لن تتحسس حركتها..
و نفس الشيء ينطبق على الكرسي الذي تجلس عليه و الأرضية التي تقف عليها..
هي ليست أرضية رخامية كما تظهر لك و إنما عبارة عن جزئيات من الطاقة تتحرك بسرعة تجعلك تتوهم بوجود شيء مادي..
و حسب قول العلم الحديث ليس هناك وجود لأي شيء مادي و إنما كل ما هو موجود
عبارة عن طاقة صافية ليس له شكل مادي..
و كما ان العلم بنى المادة خارج ميتافيزيقيتها.. كذلك الإمام علي اتخذ من النفس
شيء خارج عن ميتافيزيقيتها..
فالنفس و المادة مرابطان ..
فما يتحدث عنه هو علم الجفر وصف اللا نفس..
و بقدر صعوبة أن ترى حقيقة الحائط بأنه لا شيء سوى طاقة سريعة الحركة أوهمتك بوجوده كذلك بالنسبة للنفس فليس هناك أي نفس متواجدة في كيانك..
و ليتوضح الأمر لك أكثر..
على سبيل المثال أنت تمشي و تتمشى ..
تمعن في اللغة و في هذا القول
في اللحظة التي نقول فيها بان الشخص يمشي ...
من المفترض أن يكون هناك شخصا يمشي.. و ماذا عن الماشي؟؟
نتسأل كيف يمكن أن يكون هناك المشي إذ لم يكن هناك الماشي؟؟
الإمام على يقول بأنه ليس هناك شيء سوى فعل المشي...
فالحياة لا تشمل الأشياء و إنما الأحداث..
و هذا ما يتحدث عنه العلم الحديث بأنه ليس هناك الا عمليات لأحداث..
حتى قولك بوجود الحياة ليس بالشيء الصحيح ..
و إنما فقط هناك وجود لآلاف من العمليات الحية, فالحياة ليست الا فكرة.
و إذا ما رأيت في السماء غيوما سوداء صاحبها رعد و برق..
هل تسألت عن البرق ما البرق و من البرق؟؟
جوابك سيكون البرق ليس الا برق... ليس الا عملية تحدت من خلالها البرق..
ليس هناك أي شيء يبرق سوى البرق..
إن اللغة هي التي خلقت هذه الثنائية... أنت تمشي و الحق يقول بان هناك مشي
دون ان يكون هناك ماشي..
تفكر و الحق يقول هناك تفكير دون مفكر..
المفكر و الماشي خلقتا فقط من قبل اللغة..
فاللغة تقسم كل شيء إلى ثنائية..
و بينما أنت تفكر ليس هناك الا سلسلة من الأفكار.. ولا وجود للمفكر.
إذا فعلا أردت تفهم هذا الشيء .. كل ما يمكنك القيام به هو ان تتأمل بعمق
و ستصل إلى مرحلة تختفي فيها أنت و الأفكار, لا تواجد للأفكار و لا للمفكر.
بالتفكير يختفي المفكر لأنه عبارة عن تجسد لسلسة من الأفكار..
عندما تنظر إلى النهر.. هل ترى للنهر وجود حقا أم سوى تدفق و حركة.
وإذا ما توقف النهر عن الحركة هل سيكون للنهر وجود عندها؟؟.. عندما تتوقف
الحركة من النهر, فلن يكون هناك نهرا.. فالنهر لا شيء عدا تدفق و حركة.
و لربما بسبب هذه التراكيب اللغوية.. أصبح الإمام علي متجدرا في كل عوالم
العالم.. فلغته لغة مختلفة كليا..
و لهذا يتوضح لنا لماذا تمكن الصوفيون من فهمه و لم يتمكن العلم من ذلك؟؟
العقل الغربي له لغة مختلفة تجعله يندمج بكلية مع عقيدة الإمام علي ..
فوجهته علمية و ليست لغوية..
فمثلا اللغة الصينية ليس بها أي ثنائية..
فالتراكيب مختلفة ما بين الصينية و الكورية و اليابانية و ما بين العربية و الإنجليزية
و الفرنسية.
عندما ترجمت التوراة للأول مرة للغة الشرق واجهتها صعوبة لأنه لم يكن هناك إمكانية من ترجمة بعض الجمل.. على سبيل المثال جملة بسيطة .. كالله هو..
لا يمكن ترجمتها للغة البورمية لأنه ليس هناك شيء مكافيء للكينونة في اللغة البورمية .. فالكينونة تعطي معنى التجمد و عدم التجدد...
و كما إعطاء صفة للشجرة و القول بان الشجرة هي.. يستحيل ذلك في اللغة البورمية..
فاللغة البورمية لا تستخدم الصفة و الكينونة ...
و إنما تعطي الشيء الدوام و الاستمرارية.. ففي مكان استخدام النهر هو.. تستخدم النهر ينهر أو النهر يتدفق..
و لكن جعل الله شيء يمكن ان تذب فيه روح الحياة ...
يستحيل هذا الشيء عند المسيحيون, فالله مثالي و ليس هناك إمكانية للنمو عند الاله و هو كامل و مطلق..
و النمو و الاستمرارية شيء يستعمل لشخص ما ناقص.. و الله مثالي كيف عندها يمكن استخدام هذا الشيء..
و لذلك صعب ترجمة الله في اللغة البورمية..
و لهذا اخترق الإمام علي العقل و جعل من اللغة تركيب سهل و لين ..
فما يتواجد في الحياة ليس الا أحداث..
تشعر بالجوع... تأكل, ليس هناك أحد يأكل سوى عملية الأكل... و ما قمت به هو إشباع
نزعة الجوع و إرضائها .... من الذي أرضيته لم ترضي أحدا سوى الجوع..
بقول المرشد أن الحياة ليست الا أحداث .. فالحياة عملية استمرارية من المعيشة..
أي ان الحياة ليست اسم بل فعل.. و كما جعل من الماء كل شيء حي..
فهذا يعبر عن ان كل شيء في الحياة بتغير و تدفق و ليس ساكن..
كل شيء في استمرارية تأمل في ذلك و ستتيقن بان كل شيء في تغير و عدم ثبات و سكون..
و بالنسبة للغة الإنجليزية قال عنها Eddigton بان هناك العديد من الكلمات التي تعتبر من الخطأ وجودها في اللغة ... ككلمة الراحة, ففي الحقيقة ليس هناك أي شيء فعليا
في راحة و سكون, حتى عندما تأخذ قسطا من الراحة ليس هناك فيك و لا من حولك
في سكون فكل شيء في استمرارية و تغير..
عند الموت كذلك تستمر العملية بالعمل...
و بعد دفن الميت في قبره, فستجد بان لحيته و شعره و أظافره لازالوا في حالة مستمرة من النمو بعد موته..
و من الغريب إذا ما قمت بحلق أي شخص ميت وتم وضعه في القبر و بعد ستة أشهر ستجد أن لحيته قد داومت على النمو..
إذا كان الرجل فعلا ميتا كيف أمكن للحيته بالنمو؟؟
و إذا أمكن للحيته النمو فهل هو ميت فعلا أم لا؟؟
فالحياة عبارة عن عمليات حيوية ..
فحتى عند مغادرة الأنا للجسد و تستقر في رحم أخر ..
فالعمليات الجسدية ستستمر بحيوية ... فلا تتوقف كلها عند مغادرة الأنا فالعديد منها ليس متعلقا بها... كنمو الشعر و الأظافر..
ففكرة النفس ليس الا نتاج حيوي من اللغة..
و عند شعورك بالجوع تقول: أنا جائع..
و لكي تجعل من هذا الشيء في وجهة صحيحة يمكنك فقط ذكر كلمة الجوع..
فهل حقا تعرف نفسك من أنت حتى تقول أنا..
ففي الحقيقة ليس هناك وجود الا للجوع .. فقط اللغة خلقت هذه الثنائية و جعلتك تقول أنا جائع..
و علم الجفر من أول العلوم الذي جلب هذه الرسالة للعالم و له بصيرة ذات مغزى عميق.. و إذا ما تمكنت من تفهم لغتك بشكل أعمق فستتمكن من تفهم عمليتك الداخلية بكلية..
فالصوفي لا يتحدث عن الله لأنه لا يمكن إثبات ذلك فوجوده قد امتد و خطى كل الوجود.. فإذا ما وصفت الله و جعلت منه شيئا مثبتا و معرفا فذلك لن يكون الا انعكاسا لتلك النفس التي لا وجود لها .. فهو لا يزال أكبر من أن يوصف..
كما في اعتقادك بأنه يوجد في كيانك نفس تعتقد أيضا بان للوجود ذات النفس العليا
و هي في نظرك ذلك الاله ..
فالمرشد الصوفي يرشدك للحقيقة عند قوله بأنه لا نفس لديك..
و كذلك بالنسبة للكون و الوجود... و في الحقيقة ليس هناك نفس عليا و لا سفلى
سوى ملايين من العمليات المتغيرة..
و مالم تتأمل بعمق في تلك النفس التي صنعتها .... لن تصل إلى معرفة اللا نفس
و سيصعب عليك تفهم هذا الشيء...
و لهذا النبي لا يدخل معك في أي مناقشات غيبية بل يعطيك المفتاح .. التأمل..
لترى بنفسك الحقيقة و تصبح لك واضحة..
و عند التأمل ستختفي كافة الأفكار و المفكر معا...
و لن يكون عندها وجود سوى لفضاء صافي و هذا ما يدعوه النبي بالفناء تلك السماء الصافية هي ما يقصد بها اللا نفس..
و هي تجربة عظيمة لا يمكن إخبارها و إنما اختبارها لا تتحقق من حقيقتها سوى بالتأمل..
_________________
إحصائيات: مرسل عن طريق الماستر جولنار — ديسمبر 11th, 2009, 12:50 pm
]]>