ـــ السؤال: (لماذا كان دخول كل البشر أمرا حتميا على الله ؟ اليس الله رحيم ، ومحب للانسان ؟)
والجواب: ورود النار أوجبه الله على نفسه. ولا يعارض رحمة الله؛ لأن الورود خلاف العذاب. والظالمون هم المُعذبون. قال تعالى: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيـًا . ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيـًا) مريم 71، 72.
أما حب الله للإنسان، فالإسلام لا يعلمنا أن الله يحب المفسدين الظالمين. الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. وليس من الحكمة أن يحب الله المفسد الظالم ما لم يتب.
ونفهم من (لوقا 14/26) أن يسوع الأناجيل يحتم بغض الوالدين إذا كانا يمنعان المرء عن طريق الله.
ونفهم من (الأمثال 6/16 وما بعدها) أن الرب يبغض المتعالين والكاذبين والقاتلين والمفكرين بالردىء والجارين إلى السوء وشاهدى الزور. وأنه يكره بشدة زارع الخصومات بين الإخوة.
ونفهم من (ملاخى 1/3) أن الرب أبغض عيسو.
ونفهم من (مزامير 26/5) بغض المؤمن لجماعة الأثمة. ومن (31/6) بغض المؤمن لذين يراعون الأباطيل الكاذبة.
ونقرأ فى (هوشع 9/15): (إني هناك أبغضتهم. من أجل سوء أفعالهم أطردهم من بيتي. لا أعود أحبهم).
ـــ (والسؤال الثانى : اليس من حـل ينقذنا من دخول جهنم ؟)
والجواب: قرر القرآن الحل فى نفس الآية. قال تعالى: (ثم ننجى الذين اتقوا). فالنجاة فى تقوى الله. ودخول الجنة برحمة الله وحده، ولن يدخل أحدٌ الجنة بعمله. وليس معنى ذلك ترك العمل، بل العمل نتيجة لازمة لتقوى الله. ونفهم من (لوقا 6/45) أن الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح.
وإنما عمل المرء لا يساوى شيئـًا دون رحمة الله. والأعمال الصالحة سبب فى استحقاق رحمة الله. وقال (يوحنا 5/29): (فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة).
ـــ قيل (والآية الكريمة تؤكد على أمرين: أن السيد المسيح هو رحمة من الله ( رحمة منا ) - أمرا مقضيا. أى أمرا حتميا أو ضروريا).
وأقول: المسيح رحمة من الله كباقى إخوانه الأنبياء، وقد قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)الأنبياء 107. وقد وُصفت التوراة مرارًا فى القرآن بأنها رحمة، وأما وصف القرآن بالرحمة فآياته كثيرة. ووصف المسيح بالرحمة، ليست هى الرحمة التى توهمها عباده فى عقيدة الفداء والصلب التى لا يعرفها الإسلام. وإنما رحمة الله فى المسيح هى الإيمان به رسولاً من عند الله. ولذلك لن ينال هذه الرحمة إلا المؤمن. قال الشنقيطى رحمه الله: (وقوله في هذه الآية "ورحمة منا" أي لمن آمن به). وقال الفخر الرازى: ("ورحمة منا" يرحم عبادنا، بإظهار هذه الآيات، حتى تكون دلائل صدقه أبهر، فيكون قبول قوله أقرب).
وأقول: ليس المقضى هو المسيح كما توهم، وإنما المقضى ولادته من مريم. والقضاء هو الحكم، والمقضى هو المحكوم به. فولادة المسيح من مريم بلا رجل أمر سبق فى قضاء الله وحكم به. قال الشنقيطى: (وكان وجود ذلك الغلام منك "أمرا مقضيا" أي: مقدرًا في الأزل، مسطورًا في اللوح المحفوظ، لا بد من وقوعه، فهو واقع لا محالة).
ـــ قيل: (ومن العجيب أن كلمة مقضيا لم ترد فى القرأن كله الا فى ألايتان المذكورتان (مريم 21، 71) فهذا يعنى أن دخول النار أمرا حتميا، وأن رحمة الله فى المسيح هى الطريق الوحيد للتمتع برحمة الله).
أقول: لا يتعامل المسلمون بهذه الطريقة الأكروباتية مع كتاب ربهم. بل ولا يتعامل أى محلل لأى نص بهذا الهزل. وبالإضافة إلى أن هذه الطريقة لا سند لها من عقل أو نقل، فإن لازمها فاسد. فيلزم منها أننا كلما رأينا لفظة وردت مرتين فى أى نص أن نربط بينهما هذا الربط البهلوانى. ولو طُبقت على كتاب الكاتب نفسه لما رضى بنتائجها المبهرة.
إن الرابط بين ورود النار وولادة المسيح من مريم هو أن كليهما قضاه الله سبحانه.
و(مقضيات) الله كثيرة لا تحصى. ولا يلزم ورود الصيغة الصرفية عينها لنعرف أن الله قضى أمرًا وحكم به. ومن ذلك قوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الأمر)الحجر 66. قال البيضاوى: ("وقضينا إليه" أي: وأوحينا إليه مقضيا، ولذلك عدي بإلى). وقال تعالى: (وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن فى الأرض مرتين)الإسراء 4. قال الزمخشرى: ("وقضينا إلى بنى إسراءيل" وأوحينا إليهم وحيا مقضيا، أي مقطوعا مبتوتا). وقال تعالى: (والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء)غافر 20
ومثل (قضى) ومشتقاتها تأتى (كتب) ومشتقاتها، وتأتى ألفاظ أخرى مشابهة. وقضاء الله كونى وشرعى.
وقد يأتى التعبير عن معنى الحتم فى الوقوع بصيغ أخرى. مثل لفظة (مفعول). ومن ذلك قوله تعالى: (وكان أمر الله مفعولاً)النساء 47. وقوله: (ولو تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد ولكن ليقضى الله أمرًا كان مفعولاً)الأنفال 42. وقوله: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلاً ويقللكم فى أعينهم ليقضى الله أمرًا كان مفعولاً)الأنفال 44. وقوله: (وكان وعدًا مفعولاً)الإسراء 5. وقوله: (لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً)الأحزاب 37. قال الفخر الرازى: ("وكان أمر الله مفعولا" أي: مقضيا، ما قضاه كائن). وقوله: (السماء منفطر به كان وعده مفعولاً)المزمل 18.
وقد يستخدم القرآن تعبير (قدرًا مقدورًا). قال تعالى: (وكان أمر الله قدرا مقدورا)الأحزاب 38. قال أبو السعود: (أي: قضاء مقضيا وحكما مبتوتا).
وما قضاه الله لا يحصى، وتعبيرات القرآن عن مقضيات الله لا تنحصر.
ـــ تفسير وصف المسيح بالرحمة (أى لا تنتظر شفاعة من يحتاج لمن يشفع فيه) كذب على القرآن والمفسرين. فلا دليل على الزعم لا من القرآن ولا من كلام المفسرين.
ـــ حصر رحمة الله فى المسيح فقط كذب على القرآن. وقد قدمنا قوله تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). ووصف التوراة والقرآن بالرحمة.
ـــ الزعم بأن (القرآن يمنع الشفاعة عن البشر كلهم ولا يستثنى احد) كذب على القرآن لا دليل عليه. بل كل سياقات الشفاعة تستثنى من يأذن له الله، كقوله تعالى فى آية الكرسى: (من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه).
وخلاصة الموضوع: أن ورود النار ليس هو العذاب فيها كما توهم المتوهم. وأن النجاة من النار هى برحمة الله فقط، ولا تنال إلا بتقوى الله والعمل الصالح. والمسيح نفسه ممن سيرد النار، ويحتاج لمن ينقذه منها. فالآية التى يحتج بها عباد المسيح على باطلهم، هى نفسها تؤكد فقر واحتياج المسيح وعدم صلاحيته لمرتبة الألوهية. فليس بعد منعة القرآن منعة.إحصائيات: مرسل عن طريق عبد الشكور — يناير 18th, 2006, 6:31 am
]]>