فات الدكتور ـ المحترم طبعًا ـ " اختلاف السياق ".
إن ما استشهد به الدكتور المحترم مثله كمثل ما يذكره الأطباء فى مراجعهم العلمية. ولا يمكن أن يقارب أبدًا أو يقارن بالقصص الإباحية لزمرته العلمانية.
وبعبارة أخرى ، إن الدكتور المحترم يريد أن يسوى بين كلام طبيب لمريضه يشرح له فيها أمورًا خاصة بالجهاز التناسلى ومراحل الجماع ، وبين كلام " قواد " يروج لبضاعته ويغرى زبائنه!
الدكتور المحترم يريد أن يسوى بين العلم والهذيان .. بين الشرف والدياثة !
والسؤال : هل يعلم دكتورنا المحترم الفرق بين هذا وذاك ؟
لا أدرى هل المصيبة أعظم فى علمه بالفرق ، أم فى جهله أعظم !
ألم يسأل الدكتور المحترم نفسه : لماذا لم يحرم عالم مسلم واحد مرجعًا طبيًا واحدًا يخوض فى أمور الجماع ؟!
لقد كتبت هذه المراجع العلمية بطريقة لا حض فيها على الفاحشة ، وإنما غرضها علمى بحت. وكذلك ما ذكر فى كتب الحديث والفقه لا حض فيه على الفاحشة وإنما غرضه علمى بحت ، وإن تباينت العلوم.
وبالنسبة للفظ " الذكر " فقد كان " كناية " وليس تصريحًا .. فأين الكناية هنا من " تصريحات " العلمانيين المسفة فى شعرهم و" أدبهم " ؟!
ثم نعود ونقول : لا يحرم التصريح إذا لزم .. صحيح أن الأصل اللجوء إلى الكناية لعدم خدش الحياء ، لكن هناك أمورًا لا يخدمها إلى التصريح ، مثل بعض الأحكام الشرعية التى تستلزم ذلك. المهم أن هذا التصريح يتم بصورة تخلو من إثارة الغريزة ومن الحض على الفاحشة وأشباه هذه القذارات التى تدافع عنها العلمانية بشراسة.
" ذكر عمر بن الخطاب للرسول صلعم بأنه تصيبه الجنابة من الليل ،فقال له الرسول صلعم :توضأوإغسل ذكرك ثم نم".
سبحانك ربى ! .. هل يسوى دكتورنا المحترم بين قول سيده وسيد العالمين " توضأ واغسل ذكرك ثم نم " ، وبين قذارات العلمانيين فى " أدبهم " ؟!
أين هذه الجملة النبوية الطاهرة من هذيانات قصاص العلمانيين عندما يشرعون فى وصف مشاهد الجماع بالتفاصيل المهيجة ؟
ما لكم كيف تحكمون ؟!
لنأخذ مثالاً آخر من كلام الدكتور المحترم .
" قال :يارسول الله ،إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل ،قال يغسل مامس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلى "
الدكتور المحترم يسوى بين هذا الكلام النبوى الشريف وبين هذيان ما يسمى بأدب الفراش !
إن الكلام النبوى على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم كلام علمى محض، يبين حكمًا شرعيًا واجب البيان، وذلك من تمام رسالته صلى الله عليه وسلم، ليبين للناس ما نزل إليهم، وليتم الله نعمته على عباده بالهداية لأفضل السنن والشرائع.
ولم يحتوِ الكلام النبوى ـ حاشاه الله ـ على حض على فاحشة ، أو حث على موبقة ، أو تهييج لغرائز ، أو إثارة لشهوات .
فأين هذه الطهارة السامية من نصوص العلمانيين " الأدبية " المملوءة بكل ما قدمنا .. وأكثر ؟!
إن شرح هذا الحديث وأمثاله يتم فى " مجالس علم " ، ويجرى شرح الأمور بطريقة علمية بحتة .. أو قل نظيفة حتى يفهم العلمانيين !
والفقيه الذى يشرح الحديث للطالب لا يقول له : المعنى أن الرجل الذى صفة جسده كذا وكذا ، وصفة عضوه كذا وكذا ، إذا جامع المرأة التى من حسن جسدها كذا وكذا ، ثم لم ينزل منيه الذى صفته عادة هى كذا وكذا ، فالواجب عليه أن يغسل عضو امرأته الذى محاسنه كذا وكذا ... الخ.
وهذا بخلاف العلمانى المتفحش ، فإنه لا يكتفى فى شعره أو قصته بمجرد حكاية الحادثة بأسلوب فنى ذكى يفهمه القارئ ، ولا يكتفى بأن يحكى لنا أن فلانًا قد عاشر علانة ـ بصرف النظر عن : هل الواقعة يستلزمها العمل الأدبى أم لا ـ وإنما يتطرق إلى الأوصاف المهيجة ، وكأنه قواد يروج لبضاعته !
أما بالنسبة لحديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وأرضاها ، فحاشاها الله أن يشابه بعض كلامها قذارات العلمانيين بحال. لقد نصت رضى الله عنها على " القبلة " لتبين الحكم الشرعى ، فهى فى مقام العلماء الذين أخذ الله عليهم الميثاق ليبينن العلم للناس ولا يكتمونه.
والمرأة التى خاضت فى وصف جماع زوجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن تبغى إشاعة الفاحشة ، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يقرها لأنه يحب سماع مثل هذا الكلام ، حاشاه الله وكلا . وإنما هو فى مقام القاضى الذى يحكم بين الناس بالحق ، والمرأة تريد الطلاق ، والطلاق شأنه عظيم جدًا فى دين الله ، فكان لا بد من التثبت والتيقن ولو أدى الأمر للخوض فى مثل هذه الأمور ، ولو أدى إلى التصريح دون الكناية .
المهم أنه حتى عند الخوض وعند التصريح لا يجد القارئ أية دعوة إلى الفاحشة ، ولا أى تهييج لغريزة أو شهوة .
ومثل ما قيل عن كلام المرأة يقال عن كلام زوجها.
ومثل ما قيل هنا يقال أيضـًا عن اللفظة " أنكتها " التى وردت فى الحديث الصحيح . إن مقام القضاء وإقامة الحدود يستلزم ما لا يستلزمه غيره.
ويروى لنا الدكتور ـ المحترم طبعًا ـ " مشهدًا ساخنـًا " على حد تعبيره ، والفرح يتملكه والنشوة تملؤه !
( ... فذهبت لأدنو من أهلى ، فقالت :إنى لم أقصر من شعرى بعد ،فأخذت من شعرها بأسنانى ،ثم وقعت بها )
والتحامل ظاهر جدًا من كلام دكتورنا المحترم. يريد إيهام القارئ بأن الرجل أخذ من شعر امرأته بأسنانه من شدة الشهوة والشبق ، مع أنه من الواضح جدًا أن الرجل لم يفعل ذلك إلا لتصريح امرأته بأنها لم تأخذ من شعرها بعد . وأما قوله ( ثم وقعت بها ) فلا يقصد حرفيتها ، وإنما هى كناية مشهورة آنذاك عن الجماع تحاشيـًا للتصريح دون لزوم.
والرجل يسأل عن حكم فقهى ، ولم يروِ الواقعة ليثير شهوة أو يهيج غريزة أو يحض على فاحشة .
لكن دكتورنا المحترم يضرب يديه جذلاً قائلاً : ( والسؤال هل هناك ياسادة شئ يحدث فى غرف النوم أكثر سخونة مما وصفه الإمام مالك ،فالحكاية بها من المشهيات الكثير مثل الجرى والقفز والعض )
ولا أدرى أين ذكرت الرواية ألفاظ " الجرى والقفز والعض " ! .. بل إن معنى " الجرى والقفز " لم يرد أصلاً بالرواية، وإنما هو من خيال الدكتور ( المحترم طبعًا ) . وأما أخذ الرجل بعض شعر امرأته بأسنانه فقد فضل الدكتور له لفظ " العض " ليستطيع إدراجه ضمن " المشهيات " بسهولة !
" .. ثم رددناه أسفل سافلين ! ".
أما سؤال الدكتور المحترم عما هو " أكثر سخونة " فهو سؤال يغضب " أدباء " العلمانية ، فاحشيها ومتفحشيها على السواء !
يبدو أن الدكتور المحترم غير مطلع كفاية على إنتاج من يدافع عنهم ! .. أو هو يمارس نوعًا من تقبيح الحسن .. وماذا تفعل الماشطة مع الوجه العكر ؟!
أما إيراد الدكتور لرواية عائشة بنت طلحة فهو دليل آخر على جهله التام بالمنهج العلمى للتعامل مع الأخبار .. وقد اتضح ذلك الجهل منذ البداية عندما نوه بأن ما يورده من أخبار هو من كتب " الصحاح " !
بالطبع يعلم أى مبتدئ فى دراسة علوم الحديث أن تسمية المصنف لكتابه " صحيح " لا يعنى بالتبعية أن كل ما سيورده فيه من روايات ستكون صحيحة . هذا هو الحق وإن شاع خلافه بين العامة والدهماء !
وقد أشار الدكتور المحترم فى كلامه إلى أن الفقهاء كأبى حنيفة ومالك كانوا يجاورون الشعراء الماجنين كأبى نواس وشيخ المعرة . ويشيد بهذا الوضع التراثى الرائع فى نظره .
وهذا تلبيس منه على القارئ جريًا على عادته . لأن الفقهاء الربانيين وإن وقع فى أزمانهم أشعار ماجنة ، لكنهم أبدًا لم يقروا أصحابها على ما فيها من مجون وزندقة . ولم يقصروا فى واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تجاه هؤلاء .
أما بالنسبة للأدب والفن ، فلا نمو لهما ولا حياة إلا بالحرية. لا خلاف على هذا ، لكنها ليست حرية مطلقة كما يريدها العلمانيون .
ولهم ـ لو أرادوا ـ فى القرآن الكريم قدوة . لقد قص القرآن مشهدًا يعتز به العلمانيون جدًا ، وهو مشهد " المراودة " ، وذلك فى قصة يوسف عليه السلام ، ومع ذلك لم يدعِ واحد ـ ولو كان من أعداء القرآن ـ أن قصة القرآن للمشهد احتوت على إثارة أو تهييج أو حض على فاحشة.
إن الشاعر أو الأديب يستطيع أن يؤدى ما يشاء من المعانى ويوصله للقارئ دون الاضطرار إلى ألفاظ الفحش والبذاءة والإثارة والتهييج. بل من مواصفات العمل الأدبى الجيد أن يحترم المبدع عقل قارئه ، فلا يصفعه بالتصريح دون لزوم أو اضطرار.
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَإحصائيات: مرسل عن طريق عبد الشكور — أكتوبر 6th, 2005, 6:04 am
]]>