القضية الأولى:
لقد لاحظ محمد أن التراث الديني اليهودي ومن ثم المسيحي يرتكزان جغرافياً بشكل خاص على أورشليم (أي القدس وبيت المقدس) وبشكل عام على منطقة فلسطين، فهناك عاش رجالات الله كإبراهيم وداود وإيليا (إلياس) والمسيح، الأمر الذي كان مغايراً لدعوة الإسلام التي انطلقت من مكة.
ولقد سلك محمد سبلاً عديدة ليؤسس الشرعية لدعوته وذلك من خلال ربطها بدعوات من سبقوه، فادعى مثلاً أن موسى وعيسى تنبآ عنه في التوراة والإنجيل (الأصلية غير المحرفة بحسب زعمهم)، وقام أيضاً في القرآن بإعادة رواية بعض قصص الأنبياء الواردة في تلك الكتب (مثل قصص نوح ويونان (يونس) وموسى ويوسف) ولكنها جاءت منقوصة ومشوّهة ومشتتة ضمن سور القرآن المختلفة وغير مترابطة ضمن إطار زمني واضح.
وضمن هذا السياق أيضاً قام باختلاق حادثة الإسراء والمعراج ليربط إسلام مكة جغرافياً وروحياً بالقدس من خلال الإسراء ومن ثم بالسماء من خلال المعراج، و أيضاً ليربط نفسه روحياً بالأنبياء وليقتبس الشرعية الدينية منهم وذلك من خلال إدعاء أداء الصلاة بهم.
القضية الثانية:
بعد وفاة محمد في عام 632 م، بايع المسلمون الخلفاء الراشدين في المدينة المنورة، وسرعان ما شب النزاع بين معاوية وعلي. وانتصر في النهاية بنو أميه، وهم قرشيون سنيون، وأقاموا سنة 661 م أول دولة يرث فيها الخلفاء السلطة عن آبائهم، وقاموا بنقل عاصمة الخلافة من المدينة المنورة إلى دمشق.
وقد عمل عبد الله بن الزبير –خصم الأمويين اللدود- على بسط نفوذه على الجزيرة العربية، والمناطق الأفريقية، وجعل مكة مركز حكومته، وخشي عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي من ضياع عرشه، خاصة عندما رأى الجموع الغفيرة من المسلمين تحج سنوياً إلى الكعبة، وكذلك عندما شعر بأن مركز ابن الزبير الديني والسياسي، قد أخذ ينتشر في جميع البلاد الإسلامية، فمنع عبد الملك أهالي سوريا من الحج إلى مكة، بحجة أن عبد الله بن الزبير كان يجبرهم أثناء الحج على مبايعته، وقام ببناء مسجد قبة الصخرة في نطاق المسجد الأقصى، واستصدر عبد الملك فتاوى من رجال الدين مدعومة بأحاديث تسمح بالحج إلى بيت المقدس بدلا من مكة (وبالفعل قد حج الكثير من أهل الشام إلى القدس لمدة ثلاث سنين حسب كتب التاريخ!!)، ولكن الناس كانوا يتذمرون، قائلين: "كيف تمنعنا من الحج إلى بيت الله، مع أن هذه فريضة علينا". ولكن الخليفة أجاب: "قال الرسول صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث، المسجد الحرام في مكة، ومسجدي في المدينة، والمسجد الأقصى في القدس" ( لي سترانج، "فلسطين في العهد الإسلامي"، ترجمة: محمود عمايري، منشورات وزارة الإعلام والثقافة، عمان، 1970، ص 122-125). ويتداول الكثير من المسلمين القول بإن القدس هي أولى القبلتين وثالث الحرمين، غير مدركين أن ثالث الحرمين مصدرها الحديث الذي استخرجه علماء الشام لعبد الملك بن مروان كي يحج الناس إلى القدس بدلا من مكة.
وعودة إلى الموضوع الأصلي، فقد قام "الجهاز الإعلامي" لبني أمية بالترويج لقصة الإسراء والمعراج، وإبرازها، والدعاية لها، وتضخيمها، واختلاق الروايات والتفاصيل عنها، وذلك ضمن ذات التوجه في جذب الأنظار إلى القدس وإلى بلاد الشام قاعدة حكم الأمويين.إحصائيات: مرسل عن طريق متسائل؟! — أغسطس 7th, 2006, 1:07 pm
]]>