حتمية الفداء: الأعتراضات و الرد عليها

خاص بمناقشة القضايا والمسائل التي تهم الحوار المسيحي الإسلامي من إيمان و عقيدة و فكر إلخ
شارك بالموضوع
ام النور
مشاركات: 26
اشترك: أكتوبر 7th, 2010, 7:21 pm

نوفمبر 10th, 2010, 10:02 am

الاعتراض الأول: المسيح لم يصلب!
ورب معترض يقول أن المسيح لم يصلب يقينا، معتمدا على قول القرآن في:
سورة النساء آية157
"وقولهم (أي يقول اليهود) إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. وما صلبوه ولكن شبه لهم…. وما قتلوه يقينا"
وأصحاب هذا الاعتراضات يرون أن القرآن يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المسيح لم يصلب ولم يقتل بحسب ما هو ظاهر من هذه الآية!!

ولكن دعنا نضع إلى جوارها بعض الآيات القرآنية الأخرى وبعض أقوال علماء المسلمين والمفسرين لنستوضح حقيقة ما تقصده هذه الآية، وإليك بعض تلك الآيات القرآنية فيما يلي:

سورة آل عمران:
"مكروا (أي اليهود) ومكر الله والله خير الماكرين. إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا". فمن هذه الآية يتضح أن المسيح قد توفي قبل أن يرفع للسماء.

سورة مريم:
"والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) ومن هذه الآية يتضح أن المسيح مات قبل أن يبعث حيا.
سورة المائدة:
(فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) من هذا أيضا يتضح أن المسيح توفي على أيدي اليهود وكان الله رقيبا عليهم.

ودعنا نستعرض أقوال علماء المسلمين في تفسير هذه الآيات:

1- الأمام الرازى قال:
( روى ابن عباس ومحمد ابن اسحق أن معنى متوفيك (أى مميتك) (تفسير الرازى جزء 2 ص 457 )

2- وقال وهب :
"توفى المسيح ثلاثة ساعات" (تفسير الرازى جزء 2 ص 457)
3- وقال ابن اسحق:
"توفى سبع ساعات" (تفسير الرازى جزء 2 ص 457)
من هذا يتضح أن المسيح قد توفى فعلاً. أما منكرو الصلب فقد اختلفوا فيما بينهم وبنوا رأيهم على أقاويل غير ثابتة وحتى في إنكارهم للصلب نرى فيها شهادة للصلب فقد قال:

4- الأمام البيضاوى:
"قال قوم صلب الناسوت وصعد اللاهوت"
( تفسير البيضاوى جزء 2 صفحة 128 )
الواقع أن قول البيضاوي هذا صحيح من جهة صلب الناسوت ولكنه غير صحيح في من جهة ما يقوله عن صعود اللاهوت، لأننا نؤمن أن الصلب حدث للناسوت فعلا وهو الذي تأثر بعملية الصلب أما اللاهوت فلم يفارق الناسوت لحظة واحدة ولا طرفة عين، وإن كان اللاهوت لم يتأثر بعملية الصلب، ويمكن فهم هذه الحقيقة عندما ننظر إلى قطعة من الحديد المحماة بالنار، عندما نطرقها بمطرقة نجد أن الحديد فقط هو الذي يتأثر بالطرق، أما النار فلا تتأثر.

عموما إن هذا القول الذي ذكره الإمام البيضاوى سابقا وإن كان غير صحيح من جهة ما قاله عن صعود اللاهوت، لكننا نرى فيه إشارة جلية بأن المسيح قد صلب فعلاً بالناسوت (ونحن نؤمن أيضا أن اللاهوت لم يفارق الناسوت).

الاعتراض الثاني: شبـه لهـم!!
من منطلق الآية القرآنية المذكورة في الاعتراض السابق وهي:
سورة النساء آية157 "وقولهم (يقصد اليهود) إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. وما صلبوه ولكن شبه لهم…. وما قتلوه يقينا"
يستنتج المعترضون من هذه الآية أن المسيح لم يصلب ولكنه شبه لهم.
الإجابة: أني لا أريد أن أجيب على هذا الاعتراض من عندي ولكني أترك أحد كبار علماء تفسير القرآن وهو الفقيه الكبير الإمام الرازي يجيب بنفسه، إذ أقتبس تعليقه على هذا التعبير ذاته (شبه لهم):

(تفسير الرازى جزء3 ص 350) قال:
"إن جاز أن يقال أن الله تعالى يلقى شبه إنسان على آخر فهذا يفتح باب السفسطة. فلربما إذا رأينا (زيداً) فلعله ليس (بزيد) ولكن ألقى شبه "زيد" علي شخص آخر!! وإذا نكح (أي تزوج) رجل (فاطمة)، فلعله لم يتزوج (فاطمة) ولكن ألقي على (خديجة) شبه (فاطمة) فيتزوج خديجة وهو يظن أنها فاطمة".
وخلص الإمام الرازي إلى حقيقة خطيرة فقال:

"لو جاز إلقاء شبه أحد على شخص آخر فعندئذ لا يبقى الزواج والطلاق والملك موثوقاً به".

فالإمام الرازي يستبعد أن يكون المقصود من هذا التعبير " شبه لهم" هو إلقاء شبه المسيح على إنسان آخر!! بل ربما أراد القرآن أن يقول أن معنى "شبه لهم" هو أنهم بصلبهم للمسيح قد ظنوا أنهم قد قضوا على رسالته، ولكن هيهات أن يقضوا عليها، بل شبه لهم ذلك.


الاعتراض الثالث: ألا تكفي التوبة دون صلب؟
ورب اعتراض آخر يقول: أما كان يكفي أن الإنسان يتوب فيقبل الله توبته ويغفر ذنبه، عملا بقول الآية القرآنية التالية:
سورة البقرة 37: "فتلق آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه التواب الرحيم".
الإجابة: الواقع أن عملية غفران الذنب لها جوانب متعددة منها:

الجانب الأول:
التوبة والندامة: فلابد أن يتوب المخطئ ويندم على خطيته وإلا فلن يغفر له ذنبه. والكتاب المقدس يوضح ذلك بقول المسيح:"إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" (لوقا 13: 3).

والقرآن أيضا يوافق على ذلك من أجل هذا جاءت الآية القرآنية السابقة "فتلق آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه التواب الرحيم" (سورة البقرة 37).
ولكن هل التوبة كافية وحدها للغفران؟

الواقع أنه بالرغم من أن التوبة هي عمل ضروري للغفران ولكنها تمثل الندامة على ما فعله الإنسان وعزمه على عدم عودته إلى ذلك مرة أخرى في المستقبل. ولكن بقى جانب آخر هام وهو علاج ما فعله الإنسان في الماضي حتى يغفر له.

دعني أوضح لك القصد من هذا الكلام بإعطاء مثال من واقع الحياة ثم أطبق ذلك على موضوع حديثنا. فمثلا إن حطم شخص سيارتك بعربته، فيأتي إليك ويعتذر لك قائلا أنا أتوب أن أحطم سيارتك فيما بعد، فهل هذا يكفي لتصفح عنه؟ وهل هذا الاعتذار سيعوض لك سيارتك؟ أم لابد له أن يعطيك اسم شركة تأمين سيارته لتقوم الشركة بعمل الإصلاحات اللازمة لسيارتك أو إعطائك مبلغ التأمين لتشتري غيرها إن كانت إصابتها شديدة؟!

والآن دعني أطبق الأمر على موضوع حديثنا، فالسيئة التي يرتكبها الإنسان لا يكفي أن يقدم عنها اعتذار أو مجرد توبة بل لابد من تقديم كفارة أو فداء أو ضحية حتى يمكن غفران الماضي. وهذا ما سوف نتكلم عنه فيما يلي:

الجانب الآخر هو الكفارة أو الفداء أو الضحية:
موضوع الكفارة والفداء أمر حتمي للمغفرة وهذا واضح في المسيحية والإسلام.

ففي المسيحية تقول الآية صريحة في الإنجيل في رسالة يوحنا الأولى الإصحاح الثاني في الآية الأولى والثانية:"يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا.
ولكن ما هي أنواع الكفارة في الإسلام يا ترى؟

الواقع أن هناك أنواع عديدة من الكفارة في الإسلام، ذكرت بعضها في الآية التالية:
سورة المائدة آية 89
"لا يؤاخذكم الله باللغو (أي غير المقصود) في أيْمانكم (القَسَم أي الحلفان) ولكن يؤاخذكم بما عقدتم (أي عن عمْد) الأيْمان(القسم) فكفارته إطعام عشرة مساكين… أو كسوتهم أو تحرير رقبة (تحرير عبد) فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيْمانكم…"
واضح من هذه الآية أنه لابد وأن تكون هناك كفارة للسيئات، فالسيئة المذكورة في هذه الآية هي تعمد الأيْمان، والكفارة المطلوبة لمغفرتها هي: إما إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو إطلاق عبد وتحريره، أو صوم ثلاثة أيام.
أما إذا كان الذنب من الكبائر فلابد أن الله هو الذي يكفر عنه بحسب ما جاء بالآية القرآنية التالية:

سورة التغابن آية9 قوله:
"ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار…." من هذا يتضح أن الله لابد أن يكفر عن السيئات حتى يغفرها.

والواقع أن الكفارة الحقيقية للخطايا في الإسلام هي كما أشرنا إليها سابقا في صدد الحديث عن عيد الضحية، فدعني أذكرك بها ثانية:
2- ذبائح عيد الأضحى:
فعيد الأضحى يعرف باسم (عيد التضحية والفداء) (جريدة أخبار اليوم بتاريخ 25/4/1964 ) والذبائح التي تنحر فيه هي بقصد الفداء أو الكفارة كما يتضح مما يلي:
+كتاب دين الإسلام : يسمى عيد الأضحى في بلاد الفرس (عيد القربان) أي الذبيحة، ويقال أثناء الوضوء في هذا العيد هناك: (اللهم اجعل هذه الذبيحة كفارة عن ذنبي وانزع الشر منى. (ص367)
كتاب الفقه:
روى مسلم عن أنس رضى الله عنه قال: ضحى النبى صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده الكريمة (جزء1ص711)

كتاب مشكاة المصابيح:
ذكر أن النبي وهو يذبح الكبشين قال: "اللهم هذا عنى وعمن لم يضح من أمتي" (ص42)
كتاب إحياء علوم الدين:
روى البزار وأبو الشيخ عن أبى سعيد قالا: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فأشهديها، فان لك بأول نظرة من دمها أن يغفر لك ما سلف من ذنوبك. (جزء1 ص 243)

 كتاب إحياء علوم الدين: جاء فيه:"وأما ذبح الهدى (أي الضحية) هو تقرب إلى الله تعالى. فعليك أن تكمل الهدى (الضحية) واطلب أن يعتق الله بكل جزء منه (أي من الهدى أو الضحية) جزءا منك من النار. فكلما كان الهدى (أو الضحية) أكبر وأجزاؤه أوفر كان فداؤك من النار أعم"(جزء 1صفحة 243)

من كل هذا يتضح لك جيداً أن ذبائح عيد الضحية يقصد بها الفداء والتكفير وبهذا قد اتضح لنا إقرار الإسلام بفكرة الفداء.


الاعتراض الرابع: ما ذنب المسيح ليصلب عن الناس؟
وقد يعترض أحدهم قائلا "ما ذنب المسيح البريء حتى يدفعه الله لأن يقتل؟ ألا يتنافى هذا مع حقيقة (الله محبة)؟"

الواقع أن هذا السؤال وجهه إلي الدكتور نجم عبد الكريم مدير إذاعة كل العرب في الحوار الذي دار بيننا على الهواء مباشرة في 1/4/1994. ولهذا أفضل أن أقتبس الرد الذي قلته له في ذلك الحين (ولزيادة الإيضاح اقرأ كتابنا عن هذا الحوار):
تسألني كيف تؤخذ نفس طاهرة وتمتص غضب الله ويقتل؟ ما ذنبه ؟ وكيف يكون هذا موافقا لحب الله ؟
دعني أقول لك هاتين الآيتين من القرآن :-

1- في صورة البقرة آية60 "كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق".

2- وفي صورة البقرة آية 86 "أ فكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقاٌ كذبتم وفريقاٌ تقتلون".

إذن فهناك نفوس نبيين تقتل بغير الحق أي لم يفعلوا شيئا يستحقون عليه القتل فهم أبرياء أطهار. وقد سمح الرب بذلك ليوضح محبته للناس بإرسال هؤلاء الأنبياء الأبرار فقتلهم الناس الأشرار، ولكن الله سوف يعاقب هؤلاء القتلة في حين أنه سوف يكافئ الأنبياء على تضحياتهم وصبرهم وتحملهم القتل في سبيل الله.
وهكذا الأمر مع المسيح الذي تقدم بحب وتحمل هذا الموت لأجل جميع الناس. وهذا لا يتعارض مع محبة الله، بل إنها المحبة المضحية الباذلة تلك التي تتحمل فدية الإنسان بدافع الحب لأجل الغفران. هذا هو المبدأ الذي نحن نؤمن به، وتؤمن به المسيحية في قضية الفداء والغفران .
المذيع الدكتور نجم :- جميل، جميل، جميل …
أعتقد أنه في هذا الرد إجابة شافية عن هذا الاعتراض.
الـخـاتـمـة
أخي المحبوب القارئ العزيز بعد هذا البحث الطويل أرجو أن لا أكون قد أرهقتك بكثرة التفاصيل والاستدلالات من الكتب والأقوال. وأرجو أن تكون قد استمتعت بهذه الجولة في مروج الأرض المشتركة بين المسيحية والإسلام حول هذا الموضوع الهام للغاية وهو صلب المسيح وحتمية الفداء.

وقبل أن أودعك في هذا الكتاب أريد أن أختم حديثي معك بقصة واقعية سمعتها من شاهد عيان.

وتبدأ القصة عندما كان الأب نائما في بيته بعد يوم طويل من الإرهاق، وإذ به في منتصف تلك الليلة يسمع باب البيت يفتح بقوة ثم يغلق بسرعة ليحدث دويا في فتحه وإغلاقه الأمر الذي جعله يقفز من سريره مذعورا ويندفع خارج حجرة نومه ليستكشف الأمر. وإذا به يفاجأ بمشهد رهيب لم يكن يتوقعه. إذ شاهد ابنه الوحيد وثيابه ملطخة بالدماء، وللوقت أدرك الأمر، وصح تخمينه لقد ارتكب ابنه جريمة قتل. فأسرع الأب يطلب من ابنه أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب أبيه بعد أن سلخ جسده منها. وما أن تبادل الاثنان الثياب حتى اندفع رجال الشرطة إلى البيت وتم القبض على الأب اللابس الثياب الملطخة بالدماء دليل ارتكاب الجريمة.

وقدم الأب للمحاكمة، ووجهت إليه تهمة القتل. وظل الأب صامتا طوال المحاكمة رغم الجهود المبذولة من هيئة المحكمة والنيابة والمحامين. وأخيرا صدر الحكم بإعدامه استنادا على الدليل المادي الثياب الملطخة بالدماء.
وفي يوم تنفيذ الحكم بالشنق طلب أن يتحدث إلى ابنه، وهمس في أذنه قائلا: اليوم إني أشنق عوضا عنك لأفتديك حتى أترك لك فرصة للتوبة وإصلاح مسار سلوكك.

هل رأيت يا أخي مقدار الحب الأبوي الذي يضحي بنفسه لفداء من يحبه. مع بعد الفارق أقول أن هذه مجرد صورة باهتة لما فعله المسيح معنا إذ أن فداءنا اقتضى أن يقدم نفسه الطاهرة ضحية من أجلنا وكفارة عن خطايانا.

عزيزي ألا يقودنا هذا إلى قبول فدائه وخلاصه الذي قدمه لنا بدافع محبته الشديدة لنا نحن أولاده.
الله مستعد أن يقبلك ويغفر كل خطاياك إن قبلته وإن رجعت إليه تائباً.
الرب معك ويمتعك بخلاصه العجيب آميــن.


منقول من كتاب عن الفداء- الرب يبارك خدمة الكاتب

شارك بالموضوع
  • معلومات
  • الموجودون الآن

    الاعضاء المتصفحين: لا مشتركين و 2 زوار