نقد كتاب إلتماس السعد في الوفاء بالوعد

القرآنيون أو أهل القرآن هم دعاة وباحثون ينادون بالعودة إلى جوهر الاسلام الحقيقي أي القرآن الكريم وحده الذي يعتبرونه المصدر الوحيد للشريعة.

مراقب: أنيس محمد صالح

شارك بالموضوع
رضا البطاوى7
مشاركات: 2144
اشترك: يناير 12th, 2010, 8:27 pm
المكان: طنطا مصر
اتصل:

يونيو 15th, 2019, 5:28 am

نقد كتاب إلتماس السعد في الوفاء بالوعد
الكتاب تأليف شمس الدين السخاوي وهو مؤرخ وعالم من الشافعية كما ورد فى كتب التراجم والتاريخ وموضوع الكتاب كما قال :
"وبعد فهذا تصنيف لطيف سميته (التماس السعد في الوفاء بالوعد) جمعت فيه ما تيسر لي الوقوف عليه من الأحاديث والآثار ومناسبات الأشعار، وافتتحته بآية في المعنى مع طرف من تفسيرها الأسنى ليتوافق دليل السنة والكتاب "
وأما سبب التأليف فالرجل يبتغى به عطاء المملوك المسمى الأشرف الذى حكم مصر المملوكية ومعه ثواب الله وهو قوله:
"جعلته عند مولانا الملك الأشرف لي ذخيرة رجا أن يلحظني بما ترجع به العين بجيد نقده فريده، ويتذكر بمجرد النظر فيه سابق وعده الصادق ويتخير من التقرير المعتبر ما يندرج في عموم بره ورفده وهو للغرض موافق ليحوز مع شرف نيته الثواب، الوارد فيه الكتاب والسنة معا"
بدأ الرجل الكتاب بذكر آية الوعد باستخلاف المؤمنين وتمكينهم فى الأرض وأمنهم فقال:
"آية في الوفاء بالوعد
فأقول: قال الله عز وجل وهو أصدق القائلين (وَعَدَ اللَهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلوا الصالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَهُم في الأرض كَما اِستَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُم دِينَهُم الَّذي اِرتَضى لَهُم وَلَيُبَدِلَنّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أمنا يَعبُدونَني لا يُشرِكونَ بي شَيئا وَمَن كَفَر بَعدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُم الفاسِقون)
ثم ثنى الرجل بذكر سبب النزول فقال :
"سبب النزول المعنى بشأنه العلماء الفحول، وقد أخبرني به الإمام العز أبو محمد الحنفي رحمه الله مشافهة غير مرة عن غير واحد منهم أبو حفص المزي أنا أبا الحسن السعدي أنبأهم عن عبد الواحد بن أبي المطهر الصيدلاني قال أخبرني أبو سعد الاسماعيلي قال أخبرنا عمر بن شاه قال أخبرنا السيد أبو الحسن الحسني قال أخبرنا أبو محمد بن الشرقي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن الربيع بن أنس عن أبي العالية واسمه رفيع عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال لما قدم رسول الله (ص) وأصحابه المدينة وآواهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا الإله فنزلت وهذا حديث حسن أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط "
هنا ذكر أن المؤمنون حملوا السلاح فى المدينة بعد الهجرة وهو ما يناقض أنهم حملوه وهم فى مكة قبل الهجرة الرواية التالية التى ذكرها "ابن مردويه في تفسيره عن سليمان بن أحمد عن أحمد بن الخضر عن محمد بن عبده عن علي بن الحسين به نحوه ورواه أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره أيضا من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع لكن بدون أبي قال كان النبي (ص) وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لا شريك له سرا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، وكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم أن رجلا من الصحابة قال يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا ما يأتي عليها يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح فقال رسول الله (ص): لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة، وأنزل الله عز وجل هذه الآية"
ومن ثم فالروايتين متناقضتين لا يمكن الجمع بينهما لاختلاف مكان حمل السلاح
وبعد ذلك ذكر الرجل أن الله حقق وعده للمؤمنين بالفتوح والحروب المختلفة فى عهد النبى(ص) ومن بعده فقال :
"وثانيهما أن هذا وعد من الله عز وجل لرسوله (ص)بأنه سيجعل أمته خلفاء في الأرض أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم لفظا ومعنى، والوعد من الله متحتم الوقوع على ما سأوضحه في هذا المجموع فقد فعل الله تبارك وتعالى ذلك وله الحمد والمنة فإن رسول الله (ص) لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر الجزيرة العربية وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم والمقوقس صاحب مصر والإسكندرية وملوك عمان والنجاشي الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه، ثم لما مات رسول الله (ص) واختاره الله لما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أفضل الأمة بعده وكان أول من أسلم من الرجال على التحقيق أبو بكر الصديق .. وطد جزيرة العرب ومهدها وبعث الجيوش الاسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه ففتحوا طرفا منها وقتلوا خلقا منها، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى أرض مصر ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها .. ومن الله على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه .. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكاملها وديار مصر إلى آخرها وأكثر اقليم فارس وكسر كسرى وأهانه غاية (الإهانة) وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزاع يده من بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينية، .. ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الاسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها ففتحت بلا الغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى اقصى بلاد الصين وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية وفتحت مداين العراق وخراسان والاهواز وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل ملكهم الاعظم خاقان، وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه .. وبويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة بعده ....وها نحن نتقلب فيما وعدنا الله - عز وجل - ورسوله (ص) فصدق الله ورسله وجل ونسأل الله الإيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا وسلوك سبيله، ونصر ملكنا على أعدائه وامتداد العدل في رعيته في ابتداء ملكه وإنهائه.."
وما حكاه الرجل من التاريخ هو التاريخ المكذوب التاريخ الذى جعل الصحابة المؤمنين يتقاتلون مع بعضهم ويقتل بعضهم بعضا تصارعا على الحكم التاريخ الذى جعل الصحابة مجرد غزاة يحاربون الناس قبل أن يحاربوهم فيقتلون الناس ويسبون النساء ويملكون الأراضى .. وهو ما يخالف أن معظم الناس من جميع البلاد اسلموا فى نهاية عهد النبى (ص) برضاهم جماعات جماعات بسبب العدل فى دولة المسلمين وفى هذا قال الله لرسوله(ص):
"ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره"
ومع كون الرجل مؤرخ ويفهم أن التعارض فى الأخبار معناه إما صدق واحدة وكذب الباقى أو كذب الكل فإنه آتانا بوجهة النظر التى جعلت الإسلام دينا مهلهلا وهى تصديق كل الأحاديث المتعارضة من خلال الجمع بينها أو حتى بدون الجمع بينها مع أنها عنده تكذب المعقول عنده وفى هذا قال :
"ثم اعلم أنه قد ذكر في هذه الشريفة من الأحاديث المنيفة ما ظاهره التعارض وهو ما في الصحيحين عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم أثنى عشر رجلا ثم تكلم النبي (ص) بكلمة خفيت علي فسالت أبي ماذا قال رسول الله (ص) فقال: قال كلهم من قريش، وما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما كلهم عن سفينة مولى رسول الله (ص) ورضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا
ووجه التعارض أن الأول فيه دلائل على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادل من قريش وهم الذين وقعت بهم البشارة في الكتب المتقدمة وليسوا هم بأئمة الشيعة الإثني عشر فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء بخلاف هؤلاء فإنهم يكونون من قريش، والثاني فيه النص على ثلاثين سنة ثم تكون ملكا عضوضا أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه عضا ولم يكن في هذه المدة المحددة إلا الخلفاء الأربعة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأيام الحسن بن علي رضي الله عنهم، وأجيب عن ذلك بأجوبة منها: أنه ليس في الأول أن العدد المذكور على الولا فيحتمل على وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا حسبما وقع في الخارج فقد وجد منهم الأربعة المذكورون على الولا ثم كانت بعدهم فترة ثم وجد منهم ما شاء الله ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسم رسول الله (ص) وكنيته كنيته يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): (إن الله عز وجل بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة وكائنا خلافة وكائنا ملكا عضوضا وكائنا عتوا وجبرية وفسادا في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير ويرزقون مع ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عز وجل وهو حديث حسن رواه الدارمي والطيالسي في مسنديهما "
الرجل هنا وقع فى اخطاء :
الأول نفى ان يكون أئمة الشيعة الاثنا عشر هم المقصودين بحديث الخلفاء الاثنى عشر فقال" وليسوا هم بأئمة الشيعة الإثني عشر فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء بخلاف هؤلاء فإنهم يكونون من قريش" والتناقض فى كون أئمة الشيعة قرشيين وهو ما نفاه الرجل
الثانى تحول دولة المسلمين لتكون دولة الكافرين العضوض فى عهد الصحابة المؤمنين أنفسهم مع أن نص القرآن يقول أن التحول يكون فى عهد الخلف كما فى قوله تعالى :
""أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذ تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا
فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب"
ثم ذكر السخاوى حكم الوفاء بالوعد فنقل نقولا من بطون كتب المذاهب فقال :
"وثالثها في حكم الوفاء بالوعد
وقد قال قطب زمانه أبو زكريا النووي رحمه الله في الأذكار قد أجمع العلماء على أن من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه فينبغي له أن يفي بوعده وهل ذلك واجب أو مستحب؟ فيه خلاف بينهم فذهب الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله والجمهور إلى أنه مستحب فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة ولكن لا يأثم انتهى.... وفي كتاب الغرر من الأخبار لوكيع قال حدثنا شيخ قال حدثنا محمد بن عبيد عن أبيه أن ابن اشوع قضى له بعده، .. وقد علق على ذلك البخاري في صحيحه فقال: وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب رضي الله عنه وقال شيخنا في الفتح وقع بيان رواية ابن أشوع ...
وفي ثالث عشر المجالسة عن الدينوري عن الحسن بن أبي جعفر قال سمع مطرف رجلا يقول أستغفر الله وأتوب إليه فأخذ بذراعه، وقال لعلك لا تفعل من وعد فقد أوجب، وفي أنيس المنقطعين أنه قيل لبعض الصالحين وقد أصبح صائما تطوعا افطر فإن المتطوع أمير نفسه فقال أني لاستحي من ربي عز وجل أن أعده وعدا وهو أن أصوم ولا أوفي له بوعدي، ...وذهبت المالكية مذهبا ثالثا إلى أنه ارتبط الوعد بسبب كقوله تزوج ولك كذا، أو أحلف إنك لا تشتمني ولك كذا وجب الوفاء بالوعد ونحو ذلك وإن كان وعدا مطلقا لم يجب انتهى وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله ... وأورده شيخنا في الفتح حيث قال: وقرأت بخط أبي رحمه الله في إشكالات على الأذكار للنووي ولم يذكر جوابا عن الآية والحديث يعني قوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وحديث آية المنافق قال والدلالة إلى آخره
قلت ولم ينفرد والد شيخنا بالبحث في ذلك فقد قال الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله وناهيك به قول الأصحاب لا يجب الوفاء بالشرط مشكل لأن ظواهر الآيات والسنة تقتضي وجوبه وإخلاف الوعد كذب والكذب من أخلاق المنافقين، قال ولا أقول يبقى دينا في ذمته حتى يقضي من تركته وإنما يجب الوفاء به تحقيقا للصدق وعدم الإخلاف وتصير الواجبات ثلاثة منها ما هو ثابت في الذمة ويطالب بأدائه وهو الدين على موسر وكل عبادة وجبت وتمكن منها، ومنها ما يثبت في الذمة ولا يجب أداؤه كالزكاة بعد الحول وقبل التمكن، ومنها ما لم يثبت في الذمة ويجب أداؤه كهذا انتهى... وقد ذكر الماوردي في الشهادات في الكلام على المروءة أن مخالفة الوعد كذب ترد به الشهادة فالجواب ما قال الغزالي في الإحياء أن إخلاف الوعد إنما يكون كذبا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به، أما لو كان عازما عليه ثم بدا له الا يفعل فليس بكذب لأنه حينئذ إخبار عما في نفسه، وكان مطابقا له فيكون صدقا انتهى
وقد عده الغزالي رحمه الله في إحيائه من حقوق المسلم فقال منها ألا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به، ثم إن كل ما أسفلته في الوعد بالخير، أما الوعد بالشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة "
الوفاء بالوعد فرض إلا أن يكون وعدا فيه عصيان لله أو ليس فى قدرة المسلم سواء المالية أو البدنية أو غيرهما ثم ذكر ما فى بعض كتب اللغة عن الوعد والوعيد فقال :
"فقد قال صاحب المحكم: يقال وعدته خيرا، ووعدته شرا، قال فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته على أن ابن الاعرابي قد حكى في نوادره أوعدته خيرا بالهمز أيضا وأنشدن ابن قتيبة لرجل في الحجاج بن يوسف كما في الثالث عشر من المجالسة
كَأنَّ فُؤَادي بَينَ أَظفارٍ وَطائِرٍ مِنَ الخَوفِ في جَوِ السَما مُحلِق
حِذارَ امرءا قَد كُنتُ أَعلَمُ أَنّهُ مَتى ما يُعَدُ مِن نَفسِهِ الشَرُ يَصدُقُ
وقال تعالى: (وَإِن يَك صادِقا يُصِبكُم بَعضَ الَّذي يَعِدُكُم)، ومن آيات الوعد: (أَفَمَن وَعدناهُ وَعداً حَسناً فَهُو لاقيهِ)، (وَعَدكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثيرَةً تَأخُذُونَها فَعَجَلَ لَكُم هَذِهِ وَكَف أيديَ الناسِ عًنكُم)"
وهو كلام لا طائل من خلفه فقد عبر الله بنفس الفعل وهو وعد عن وعد بخير ووعد بشر فقال :
"" وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار"وقال "وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم"
ثم أورد السخاوى الروايات فى موضوع الوعد فقال :
"ورابعها في الاحاديث والآثار الواردة في الوفاء بالوعد
وقد كان (ص) أعظم خلق الله وفاءا بالوعد حتى جاء عن عبد الله بن أبي الحمسا رضي الله عنه أنه قال: (بايعت النبي قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت على أنا ههنا منذ ثلاث انتظرك) رواه أبو داود في سننه وفي سنده خلف وقد ذكر الواحدي عند تفسير قوله تعالى عن إسماعيل عليه السلام أنه كان صادق الوعد نقلا عن مقاتل أنه قام ينتظر إنسانا لميعاد ثلاثة أيام، وهذا أورده في أنيس المنقطعين فقال حكى أن إسماعيل عليه السلام وعد إنسانا أن ينتظره في مكان فمضى ذلك الإنسان ونسي وعده فعاد إليه بعد ثلاثة أيام أو أكثر، وإسماعيل عليه السلام ينتظره في ذلك المكان فتعجب الرجل، ومدح إسماعيل رب العرش فقال إنه كان صادق الوعد، انتهى بل قال الكلبي أنه أقام حتى حال عليه الحول، وهذا حكاه الزمخشري فقال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن إسماعيل عليه السلام وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة ورواه ابن أبي حاتم من طريق الثوري أنه بلغه أن إسماعيل عليه السلام دخل قرية هو ورجل فأرسله في حاجة وقال إنه ينتظره فأقام حولا كاملا في انتظاره وعنده أيضا من طريق ابن شوذب أنه اتخذ ذلك مسكنا فسمى من يومئذ صادق الوعد، وفي الإحياء يقال أن إسماعيل عليه السلام واعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه فبقى اثنين وعشرين يوما في انتظاره وهذا خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت من حديث يزيد الرقاشي أن إسماعيل نبي الله وعد رجلا ميعادا فجلس له إسماعيل عليه السلام اثنين وعشرين يوما مكانه لا يبرح للميعاد"
ونلاحظ هنا تناقض الروايات فى عدد الأيام التى فضاها الرجل فى انتظار صاحبه فمرة3 أيام ومرة سنة ومرة22 يوم وهو مدد لا يمكن الجمع بينها وهو كلام كله تخريف فالنبى أى نبى لا يمكن ان يضيع وقته فى انتظار إنسان واحد كل تلك المدد لأن هناك مسلمين أخري نفى انتظاره وهناكم مصالح للمسلمين تضيع بذلك الانتظار ثم كيف ينتظر الرجل بلا طعام ولا شراب ولا مأوى ولا مكان يستنجى فيه أو يتوضأ ومع كل هذه العورات فالسخاوى يطالبنا بالجمع بين الرؤوايات وكأن 3 هى 22 هى عدد ايام السنة فيقول:
" ويجمع بينهما على تقدير الصحة في كلها بالتعدد، وقد روى عن مجاهد أن إسماعيل عليه السلام لم يعد بشيء إلا وفى به"
وذكر رواية أخرى عن ابن سيرين لا تفيدنا بشىء سوى انتظار القادم لكونها ليست نصا من الوحى فقال :
"وجاء عن محمد بن سيرين أنه انتظر أيضا فعند ابن أبي الدنيا في الصمت من طريق ابن عبد ربه القصاب قال واعدت محمد بن سيرين أن اشترى له أضاحي فنسيت موعده لشغل ثم ذكرت بعد فأتيته قريبا من نصف النهار وإذا محمد ينتظرني فسلمت عليه فرفع رأسه فقال أما أنه قد يقبل أهون ذنب منك فقلت شغلت وعنفني أصحابي في المجيء إليك، وقالوا قد ذهب ولم يقعد إلى الساعة فقال لو لم تج حتى تغرب الشمس ما قمت من مقعدي هذا إلا للصلاة أو حاجة لا بد منها، وأقت بعضهم الانتظار بحد فإن لم يجد فارق"
وذكر الرجل قصة موسى (ص) فى وفاءه بوعده للشيخ الكبير فقال :
"ومن الأدلة في الوفاء بالوعد ما أورده البخاري في الباب السابق عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما أي الأجلين أي المشار إليهما في قوله تعالى (ثَماني حُجَج فَإِن أَتمَمت عَشرا فَمِن عِندكَ) قضى موسى عليه السلام فقال قضى أكثرهما وأطيبهما يعني عشر سنين إن رسول الله (ص) إذا قال فعل
وكذا رواه حكيم بن جبير وغيره عن سعيد ولفظ حكيم إن النبي (ص) إذا وعد لم يخلف، والمراد برسول الله (ص) أو نبي الله من اتصف بذلك ولم يرد شخصا بعينه، ووجه الاستدلال من هذا أن موسى عليه السلام لم يجزم بوفا العشر في قوله (ذَلِكَ بَيني وبَينَكَ أَيَما الأَجَلَينِ قَضيتَ) بعد قوله له (عَلى أَن تَأجُرَني ثَماني حُجَج فَإِن أَتمَمتَ عَشرا فَمِن عِندَكَ)، ومع عدم جزمه عليه السلام وفاها فكيف لو جزم "
ثم ذكر بعض الروايات عن وعود داود0ص) فقال:
"ويروي في داود عليه السلام بخصوصه أنه كان لا يخلف وعدا وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال دخلت على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فسايلني وهو يظن أني لأم كلثوم ابنة عقبة، فقلت إنما أنا للكلبية فقال عبد الله دخل على رسول الله (ص) فقال ألم أخبر أنك تقرأ القرآن في كل يوم وليلة، صم صوم داود، صم يوما وأفطر يوما فإنه أعدل الصيام وكان لا يخلف الوعد، رواه أحمد وهو في الصحيح ولكن بدون المقصود منه"
الرواية مخالفة للقرآن فداود0ص9 لم يكن له صوم سوى الصوم الذى كتبه الله على كل الناس منذ بداية البشرية كما قال تعالى :
"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم"
وصوم الرسل(ص) غير رمضان يتعارض مع مصالح المسلمين فلا يمكن للنبى أيا كان أن يقضى مصالح المسلمين وهو عطشان جائع فمطلوب منه دعوة الناس ومطلوب منه أن يقضى بينهم بالحق ومطلوب منه ان يفتش على المؤسسات والجيش وغير ذلك
ثم ذكر السخاوى رواية العدة عطية فقال :
"كما رواه الخرايطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلا أن امرأة سألت رسول الله (ص) شيئا فلم تجده فقالت عدني فقال رسول الله (ص) إن العدة عطية وهو في المراسيل لأبي داود وكذا الصمت لابن أبي الدنيا من حديث يونس بن عبيد البصري عن الحسن أن النبي (ص) قال العدة عطية وكذا هو في أول الفوائد التي بآخر مسند عمر للنجاد من حديث يونس ابن عبيد عن الحسن قال سأل رجل النبي (ص) فقال ما عندي ما أعطيك فقال تعدني فقال رسول الله (ص) العدة واجبة، وهذا المتن قد روى عن قباث بن أشيم الليثي رضي الله عنه قال قال رسول الله (ص) العدة عطية رواه الطبراني في الأوسط .. والطبراني في الأوسط وغيرهما ولفظه عند أبي نعيم في الحلية إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: (العدة عطية والموقوف منه) رواه البخاري في الأدب المفرد.... ومن شواهد حديث (العدة عطية) ما روى بنحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: (عدة المؤمن دين وعدة المؤمن كالأخذ باليد) أخرجه الديلمي في مسنده وهو عنده وكذا الطبراني وغيرهما عن علي رضي الله عنهما أيضا عن النبي (ص) أنه قال: (العدة دين ويل لمن وعد ثم أخلف ويل له ويل له ثلاثا) ورواه القضاعي في مسنده مقتصرا على قوله (العدة دين) وعن ابن المبارك عن ابن لهيعة معضلا أن رسول الله (ص) قال الوأي يعني الوعد مثل الدين أو أفضل أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وهو عند الديلمي في مسنده بسند ضعيف عن علي عن النبي (ص) أنه قال: (الواعد بالعدة مثل الدين أو أشد) وهذه الطرق يؤكد بعضها بعضا"
هذه الروايات توجب الوفاء بالوعد دون أن تجعل مساغا للواعد إذا كان لم يكن فى استطاعته الوفاء وهو كلام ليس صحيحا وهو ما أكدته رواية وجوب تنفيذ الوعود للأطفال وهى :
"وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) (لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له فإن رسول الله (ص) قال العدة عطية) رواه القضاعي في مسند الشهاب....ومن حديث أبي معمر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئا ثم لا ينجز له، وجاء في ذلك حديث مرفوع فعن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال جاء رسول الله إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال أعطيك فقال رسول الله (ص) (ما أردت أن تعطيه قالت أردت أعطيه تمرا لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة) رواه أحمد والبخاري في تاريخه وابن سعد والطبراني والذهلي والخرائطي وآخرون"
ومسألة وعود الأطفال مسألة تدخل ضمن الخطأ غير المتعمد الذى لا عقاب عليه التى قال الله فيها :
" وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم"
وذلك لكون الغرض من الكثير من تلك الوعود هو مساعدة الطفل على النمو كمن يعد الطفل إذا حبا ليمسك شىء بعيد عنه بأن يعطيه شىء عدة مرات ولو صدق الوعد عدة مرات لأضر الطفل كمن يعده بحلوى وهى لكثرتها تجعل الأسنان تفسد وكمن يعده بنقود ورقية أو معدنية حتى يسير خطوات فيضر الطفل حيث يبتلع تلك النقود أو يضيع المال لأن الطفل يقطع النقود الورقية أو يقذفها فى أى اتجاه يكسر بها زجاج أو غير هذا
ثم ذكر روايات أخرى فى الوفاء بالوعد فقال :
"عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: (اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم) رواه ابن حبان في صحيحه، وكذا الحاكم في مستدركه وغيرهما، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال أخبرني أبو سفيان رضي الله عنه أن هرقل قال له سألتك ماذا يأمركم فزعمت (أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة نبي) أخرجه البخاري في باب من أمر بإنجاز الوعد من صحيحه، وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله (ص) (تقبلوا لي بست اتقبل لكم بالجنة، قالوا وما هي قال: إذا وعد أحدكم فلا يخلف وذكر باقيها) أخرجه أحمد بن منيع والحسن بن سفيان وابو يعلى في مسانيدهم وآخرون منهم الحاكم في مستدركه واقتصر بعضهم منه على قوله إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا وعد فلا يخلف)
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: (اكفلوا لي ست خصال اضمن لكم الجنة) ... وعن الزبير بن عدي مرسلا عند سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وعن الحسن مرسلا أيضا عن سعيد فقط، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص) (لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه) أخرجه البخاري في الادب المفرد وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي عن النبي (ص) قال: (من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو من كملت مرؤته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته) أخرجه العسكري في الأمثال والديلمي في مسنده"
ثم ذكر رواية تحكى عن وعد بالسبى وهى:
"روي أن النبي (ص) كان قد وعد أبا الهيثم ابن التيهان خادما فأتي بثلاثة من السبي فأعطى اثنين وبقى واحد فجاءت فاطمة ابنة رسول الله تطلب منه خادما، وهي تقول ألا ترى أثر الرحا يا رسول الله في يدي فذكر موعده لأبي الهيثم فجعل يقول كيف بموعدي لأبي الهيثم فآثره به على فاطمة لما سبق من موعده له مع إنها كانت تدير الرحا بيدها
ولقد كان رسول الله (ص) جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال إن لي عندك موعدا يا رسول الله فقال صدقت فاحتكم ما شئت، فقال احتكم ثمانين ضائنة وراعيها فقال رسول الله (ص) هي لك، ولقد احتكمت يسيرا، فلصاحبة موسى عليه السلام التي دلته على عظام يوسف عليه السلام كانت أحزم وأجزل حكما منك حين حكمها موسى عليه السلام فقالت حكمي ان تردني شابة وادخل معك الجنة، قال فكان الناس يضعفون ما احتكم به حتى جعل مثلا يقولون أقنع من صاحب الثمانين والراعي انتهى كلام الغزالي
وقصة أبي الهيثم عند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لكن بدون ذكر ما هنا من قصة فاطمة رضي الله عنها وأما حديث الذي جاءه وهو يقسم غنائم هوازن بحنين فأخرجه ابن حبان والحاكم في المستدرك وصحح إسناده من حديث أبي موسى رضي الله عنه وفيه نظر كما قال العراقي شيخ شيخي رحمهما الله مع اختلاف في سنده ثم إن المحمل الذي حمل الغزالي عليه الأحاديث التي في التنفير قد جاء مقيدا به في حديث رويناه في الطبراني من حديث أبي وقاص عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي (ص) قال في حديث طويل إذا وعد أحدكم وهو يحدث نفسه أنه يخلف وهو في سنن أبي داود والترمذي وقال: حديث غريب من حديث أبي وقاص المذكور عن زيد بن أرقم رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجى للميعاد فلا إثم عليه وقد أشار الغزالي إليه وقوله لم يجى للميعاد ليست عند الترمذي ومعناها لم يجى الوقت الذي قدر الله وقوعها فيه"
يكذب روايات الوعد بالسبى أن الله حرم استبقاء الأسرى نساء أو رجال عند المسلمين فوعد باطلاق سراحهم بالمن وهو إطلاق السراح بلا مقابل والفداء وهو إطلاق السراح بمقابل فقال :
"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثختنموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك"
ثم ذكر الرجل روايات أخرى تفيد الوفاء بالوعد فقال :
"وعن حذيفة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (ص) يقول: (من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له فهو كالمدلي جاره إلى غير منعه) أخرجه أحمد وللخوف من هذا الترهيب بادر عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما كما أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت من حديث هارون بن رئاب قال لما حضرت عبد الله بن عمرو بن العاص الوفاة قال إنه قد كان خطب إلي إبنتي رجل من قريش وقد كان مني إليه شبيه بالوعد فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق اشهدوا أنى قد زوجتها إياه وهكذا أورده الغزالي في الاحياء لكنه كما في النسخة التي وقفت عليها جعله ابن عمر لا ابن عمرو"
هنا مصيبة من مصائب الرواة وهى أن الرجل يزوج المرأة دون أن يأخذ رأيها وهو ما يخالف الوحى الذى أوجب أخذ رأى المرأة بكرا أو ثيبا
وذكر الرواية التالية:
" وكان بعض السادات يغتم إذا وعد حتى يفي فعن معاذ بن العلا قال سال رجل أبا عمرو بن العلا بن العلا حاجة فوعده بها ثم إن الحاجة تعذرت على أبي عمرو فلقيه الرجل بعد ذلك فقال له أبو عمرو وعدتني وعدا تنجزه فقال أبو عمرو فمن أولى بالغم قال أنا قال لا بل أنا قال الرجل وكيف ذلك أصلحك الله قال لأني وعدتك وعدا فإبت بفرح الوعد وإبت أنا بهم الإنجاز فبت ليلتك فرحا مسروا، وبت ليلتي مفكرا مهموما ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة فلقيتني مدلا، ولقيتك محتشما، أخرجه الخرائطي"
هذه الرواية تبين مشكلة عدم الاستطاعة أى عدم القدرة على الوفاء بالوعد لأسباب خارجة عن إرادة الإنسان وقد ذكر السخاوى روايات تحذر من قول الوعود منها:
"بل كان بعضهم يحذر من التقيد بعهدة الوعد فعن فرات بن سلمان قال كان يقال إذا سئلت فلا تعد وقل اسمع ما تقول فإن يقدر شيء كان، وعن الطيالسي عن شعبة قال ما واعدت أيوب يعني السختياني موعدا قد إلا قال حين يريد أن يفارقني ليس بيني وبينك موعد فإذا جئت وجدته قد سبقني ونحوه قول أبي عوانة كان رقبة يعدنا في الحديث ثم يقول ليس بيني وبينك موعد نأثم من تركه، ويسبقنا مع ذلك إليه، رواها كلها ابن أبي الدنيا في الصمت"
وذكر السخاوى رواية وعد جابر بمال من جانب النبى(ص) نفذها أبو بكر بعد وفاته فقال:
" وعن المهلب بن أبي صفرة أنه قال لابنه عبد الملك يا بني إنما كانت وصية رسول الله (ص) عدة أنفذها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلا تبدأ بالعدة فإن مخرجها سهل ومصدرها وعر واعلم أن لا وإن قبحت فربما روحت ولم توجب الطمع أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وحديث إنفاذ أبي بكر عدة رسول الله (ص) أخرجه البخاري في إنجاز الوعد في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال لما مات النبي (ص) جاء أبو بكر رضي الله عنه من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر رضي الله عنه من كان له على النبي (ص) دين، أو كانت له قبله عدة فليأتنا قال جابر فقلت وعدني رسول الله (ص) أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يديه ثلاث مرات قال جابر فعد في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة انتهى، وأشار غير واحد كما حكاه شيخنا إلى أن ذلك من خصائص النبي (ص)"
وهذه الرواية من التخاريف فهناك بيت مال للمسلمين يقيد فيه الخارج والداخل ومن يعطى ومن يأخذ والنبى(ص) لا يعد واحد من المسلمين بعطاء فيعطيه ويترك باقى المسلمين فليس هذا من العدل وهذه الرواية تتعارض مع أن جابر ترك له والده دينا وأرضا وقد سدد الدين وتبقت الأرض وزوج أخواته التى ربتهم زوجته التى قيل فيها فهلا بكرا تلاعبك
وذكر السخاوى روايات تحمد الوفاء بالوعد مثل:
"وكذا أثنى النبي (ص) على بعض الموفين فروى البخاري من حديث المسور رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (ص) وذكر صهرا له من بني عبد شمس فقال وعدني فوفاني ومما جاء عن السلف أن عوف ابن النعمان الشيباني كان يقول في الجاهلية لأن أموت عطشا أحب إلي من أن أموت مخلافا لوعد، رواه الخرايطي في المكارم وابن أبي الدنيا في الصمت والدينوري في الثالث عشر من المجالسة، وعن الخرايطي أنه قال آفة المروءة خلف الوعد، وعن إياس بن معاوية قال لأن يكون في فعال الخير للمرء فضل عن قوله أجمل من أن يكون في قوله فضل عن فعاله، وعن الأصمعي قال وصف أعرابي قوما فقال (أولئك قوم أدبتهم الحكمة، وأحكمهم التجارب ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم فذلت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالانجاز فأحسنوا المقال وشفعوه بالفعال، أخرجه الخرايطي..... وفيها أيضا من حديث صالح بن كيسان قال خرج علينا الزهري من عند هشام بن عبد الملك فقال لقد تكلم اليوم رجل عند أمير المؤمنين ما سمعت كلاما أحلى منه قال له يا أمير المؤمنين اسمع مني: أربع فيهن صلاح دينك وملكك وآخرتك ودنياك، قال ما هي؟ قال لا تعدن أحد عدة وأنت لا تريد إنجازها، ولا يغرنك مرتفق سهلا إذا كان المنحدر وعرا، واعلم أن الأعمال آخرا فاحذر العواقب، وأن الدهر تارات فكن على حذرومن كلمات السلف: الوعد سحابة، والإنجاز مطر، وأحسن المواعيد ما صدقه الإمطار"
ثم ذكر روايات لم يذكر فيها الوفاء بالوعد وهى :
" وعن الحسن البصري رحمه الله قال فضل الفعال على المقال مكرمة، وفضل المقال على الفعال منقصة أخرجه أبو نعيم في الحلية وعن ابن فضيل كان عمر بن هبيرة يقول: اللهم لا تجعل قولي فوق عملي، ولا تجعل أسوأ عملي ما قرب من أجلي، أخرجه الدينوري في المجالسة"
وفى أخر الكتاب ذكر العديد من الأشعار التى قيلت فى الوفاء بالوعد فقال :
"وخامسها في شيء من الأشعار في ذلك :
فجاء عن الفضل بن عباس بن عتبة ابن أبي لهب كما أورده ابن أبي الدنيا في الصمت:
إِنّا أُناسٌ مِن سَجِيَتِنا صِدقُ الحَديثِ وَوَأَينا حَتمُ
شَرُ الإِخاءُ أَخا مزدرد مزج الإِخاءِ إِخاؤهُ وَهُم
لَبِسوا الحَياءَ فَإِن نَظرَت حِسبتَهُم سَقَموا وَلَم يمسَسهُموا سَــــــــــــــــــقمُ
زَعَمَ اِبنَ عمي أَن حِلمي ضَرَني ما ضَرُ قَبلي أَهلَهُ الحِلم
وعن أبي قاموس الحميري يمدح يحيى بن خالد البرمكي في عدم نسيانه الوعد قال:
رَأيتَ يَحيى أَتَمَ اللهُ نِعمَتَهُ عَليه يَأتي الَّذي لَم يَأتِهِ أَحدُ
يَنسى الَّذي كانَ مِن مِعروفِهِ أَبداً إِلى الرِجالِ وَلا يَنسى الَّذي يَعُد
وعن الحسن بن علي المخرمي في التحريض على الوفاء بالوعد:
لأَحسنَ مِن ظِبيَةً بِالجَرد مَقرَطِقة ثَديها قَد نَهِدَ
وَمُبسِمُها واضِحُ نَيرُ وَفي خَدِها ضوء نارُ تَقِد
وَأحسَن مِنها عَلى حُسنِها تَقاضى الفَتى نَفسهُ ما وَعَد
وعن شيخنا مما يذكر به شخصا في الوفاء له بوعده:
يا صادِقَ الوَعدِ قولاً وَصادِق الوُدِ فِعلاً
أَتَيت بابَك أرجو تَنجيزُ وَعدَكَ فَضلاً
وعن غيره:
يا بنَ الكِرام الغُرِ وَعدُكَ أَنَني مَديمٌ عَلى مَرِ الزَمانِ لَكَ شُكراً
فَلا زِلتَ بِالمَعروف بَرا لقَصاد وَصَدرُكَ بِالُعرفانِ بَينَ الملا بَحراً
وعن آخر:
أَهَزَكَ لا أَني وَجَدتُكَ ناسِيا لَوعَدي وَلا أَني أَريدُ التَقاضِيا
وَلَكِن رَأَيتَ السَيفَ عِندَ اِنتِضائِهِ إِلى الهَز مُحتاجا وَإن كان ماضِيا
وعن آخر:
لَستُ أَستَقبِحُ اِقتَضاكَ بِوعدٍ لا وَإِن كُنتَ سَيدَ الكُرَماء
فإِلهُ السَماءِ قَد ضَمِن الر زقَ عَليهِ وَيُقضى بِالدُعاء
ويقرب منه:
حَثَّ الجوادِ عَلى النَدا وَتُقاضُهُ بِالوَعدِ واحمِلُهُ عَلى الإِنجازِ
وَدع الوُثوق بِطَبعِهِ فَلَرُبَما نَشِطَ الجَوادُ بِشَوكَةِ الَهمازِ
وقال أبو جعفر محمد بن علي العدوي:
تَيَمَمت ما أَرجُوهُ مِن حُسن وَعدُكُم فَكُنتَ كَما يَرجو مَنالَ الفَراقِدَ
هَبوني لَم أَستاهِل العُرفَ مِنكُم أَما كُنتُموا أهلاً لِصِدقِ المواعِدِ
عدة الكريم نقد وتعجيل وإسعاد وتكميل
وقال غيره:
كُلُ جُودٍ وَإِن تَعاظَمَ قَدراً قُل مِن فَرطِ كَثَرَةٍ التَردادَ
إِنما الجُودُ بِالحَياةِ وَلَكِن يَعتَريها السِقامُ بِالمِيعادِ
ولمهيار الديلمي في استنجاز وعد
أَظَلَت عَلينا مِنكَ يَوماً غِمامَةً أَضاءَ لَها بَرقٌ وَأَبطا رَشاشُها
فَلا غَيثِها يُجلي فَييأَسُ طامِعٌ وَلا غَيثها يَأَتي فَتَروى عِطاشُها
وفي ذم الاخلاف بالوعد من الأشعار أيضا قول كعب بن زهير في قصيدته الشهيرة:
كانَت مَواعيدُ عَرقوبَ لَها مَثلاً وَما مواعيدُها إِلاّ الأَباطِيلَ
قلت وعرقوب كان رجلا من العماليق وهو عرقوب بن معبد بن زهرة أحد بني شمس بن ثعلبة وقيل غير ذلك وكان من خبره أنه أتاه أخ له يسأله شيئا فقال إذا أطلع نخلي فلما أطلع أتاه قال إذا أبلح فلما أبلح أتاه قال إذا أزهى فلما أزهى أتاه قال إذا أرطب فلما أرطب أتاه قال إذا صار تمرا فلما صار تمرا جذه بالليل ولم يعطه شيئا فصار المثل يضرب به في الإخلاف فيقال أخلف من عرقوب
وأنشد ابن قتيبة كما في ثالث عشر من المجالسة:
لِسانُكَ أَحلى مِن جَنى النَحلِ مَوعِدا وَكَفُك بِالمَعروفِ أَضيق مِن قُفلِ
تَمنَى الَّذي يَأتِيَكَ حَتى إِذا إِنتَهى إِلى أجَلٍ ناوَلَتهُ طَرفُ الحَبلِ
وقال آخر:
لَم أَثِق مِنهُ بِوعدِ وَمواعيدُ كَزورِ
هَكَذا إبليسُ في الدُنيا أَمانيهِ غُرورُ
وقال غيره:
أَمّا الوَفاءُ فَشيءٌ قَد سَمِعتُ بِهِ وَما رَأيتُ لَهُ عَينا وَلا أثراً
وَلا أُطـــــــــــــــالِبُ في الدُنيا بِهِ أَحَداً وَلا أَلومُ أَخا غَدرٍ إِذا غَـــــــــدرا
وَمَن يَعولُ في الدُنيا عَلى بَشرٍ فإِنّهُ بَشرٌ لا يَعرِفُ البَشرا"
وقد طرح السخاوى سؤال وذكر إجابته عن مدة انتظار الواعد فقال :
"وروى ابن أبي الدنيا أيضا عن الحسن بن عبيد الله النخعي قال قلت لإبراهيم النخعي يواعد الرجل الميعاد ولا يجىء قال لينتظره ما بينه وبين أن يدخل وقت الصلاة التي تجىء وأشار إليه الغزالي في الإحياء"
فهنا الرجل ينتظر مدة هى حتى الصلاة التالية وهى إجابة ليست تصلح لكل العصور فالانتظار يكون حسب الزمن الذى يستغرقه الواعد للمجىء للمكان بضعف فإن كان ينتقل فى ساعة جلس ساعتين وإن كان ينتقل فى ساعتين جلس أربعة لأن وسيلة الركوب قد تتعطل وينتظر حتى يركب وفى عصرنا هذا أغنت وسائل الاتصال عن الانتظار فما على الموعود إلا أن يتصل بهاتف الواعد ليعرف هل هو فى الطريق أو لن يأتى لظروف ما
وقد بين السخاوى أن عدم الوفاء بالوعد نتيجته هى العداوة بين الواعد والموعود فقال:
"وعن عبد الرحمن ابن أبزى قال كان داود عليه السلام يقول لا تعدن أخاك شيئا لا تنجزه له فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة أخرجه الخرائطي "
وهى نتيجة ليست حتمية فهناك من لا يعادى بسبب ذلك
كما بين أن البعض كان يستثنى بقول إن شاء الله فى الوعد فقال :
"ولكون الأنبياء لا يخلفون الوعد كان النبي (ص) فيما قاله الغزالي في الإحياء إذا وعد وعدا قال عسى لكن قال مخرجه إنه لم يجده، وكذا كان بعض التابعين رحمهم الله يستثنى فروى ابن أبي الدنيا عن أبي اسحاق قال كان أصحاب عبد الله يعني ابن مسعود يقولون إذا وعد فقال إن شاء الله لم يخلف وأشار إليه الغزالي في الإحياء، قال وهو الأولى وربما توقف (ص) عن الالتزام بالوعد"
وأما الوعد فى القرآن فقد ورد عنه العديد من الآيات نقتصر منها على ما يهمنا هنا وهو :
أن الله لا يخلف الوعد أى الميعاد كما قال :
" إن الله لا يخلف الميعاد "
وقال :
"ولا تحسبن الله مخلفا وعده رسله"
الوفاء بالوعد من أعمال المسلمين كما قال تعالى :
"والموفون بعهدهم إذا عاهدهم "
وبالقطع من صفات الكفار والمنافقين إخلاف الوعد كما قال تعالى :
"ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون"
وقد استثنى الله من الوفاء بالوعد حالة العسر سواء كان عسرا ماليا أو صحيا أو غيره فالمدين يعد الدائن وعدا بالسداد فى يوم معين وقد أباح الله أن يخلف المدين وعده إذا كان فى حالة ضيق مالى فقال :
"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"
وعلى الدائن قبول عذر المعسر
وقد أورد الله لنا أمثلة من الوعود منها :
-وعد إبراهيم(ص) لوالده بالاستغفار وهو وعد كان محرما لحرمة الاستغفار للكفار وفى هذا قال تعالى :
"وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه" وقال :
"قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شىء"
ومن ثم كل وعد بمعصية لله لا يتم الوفاء به كما فعل إبراهيم(ص) بالبراءة من والده
-وعد الأسباط والدهم(ص) بإعادة أخو يوسف (ص) إليه واستثنى الوالد من الوعد حالة الاحاطة بهم أى إصابتهم بشىء دون إرادتهم جميعا وفى هذا قال تعالى :
"قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتتنى به إلا أن يحاط بكم فلما أتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل"
فهنا الحالات التى يكون فيه أسباب قاهرة لعدم للتنفيذ تعنى براءة الواعد من العقاب واللوم
فهم نوح(ص) الخاطىء لوعد الله بأنه يرحم أهله فظن أن ابنه الكافر من أهله وفى هذا قال تعالى :
"ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين"
ومن ثم فالفهم الخاطىء للوعد قد يسبب مشكلة ولذا لابد أن يكون الوعد واضحا مفصلا حتى لا يفهم خطأ
رضا البطاوى

شارك بالموضوع
  • معلومات
  • الموجودون الآن

    الاعضاء المتصفحين: لا مشتركين و 2 زوار