لماذا خلقنا الله ؟

خاص بالايمان المسيحي شرحا وتفصيلا وتعريفا بالسيد المسيح والكتاب المقدس والكنيسة
المسيحية إلخ...

مراقب: ELIYA ALGHYOR

شارك بالموضوع
ام النور
مشاركات: 26
اشترك: أكتوبر 7th, 2010, 7:21 pm

أكتوبر 21st, 2010, 2:14 pm

لماذا خلقنا الله ؟
ففى الواقع أن الله لم يخلقنا لنعبده ، أو ليتمتع هو بأن يرانا نتعذب فى هذه الحياة الدنيا ثم يلقى بنا فى جهنم الأبدية ... فالله جل إسمه أسمى وأرفع من أن يكون هذا هو هدفه من خلقتنا ...
يقول معلمنا بولس الرسول : " إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته .. " (أفسس 1 : 5)
لاحظ كلمة [ سـَبَـقْ ] فهى تؤكد وجود خطة مسبقة فى فكر الله من الأزل ، هدفها أن يتبنانا أى أن نكون له أبناء ...

فالله ليس بقاضٍ يحكم بالإعدام على البشر ، ولا وكيل نيابة يحاول أن يوقعنا فى شر اعمالنا ، بل أن المسيحية هى الديانة الوحيدة التى تعلمنا أن " الله محبة " ...
وبناء على هذا الهدف العظيم ترتبت عدة نتائج جوهرية ، منها :
1- أن نكون أعضاء فى عائلته : " فلستم إذا بعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله .. " (أفسس 2 : 19) ، فالله يهدف من خلقتنا أن نكون له عائلة مقدسة من أبنـاء وبنات الله ، لذا قال : " وأكون لكم أبــاً وأنتم تكونون لي بنين وبنات يقـول الرب القادر على كل شيء .. " (كورنثوس الثانية 6 : 18)
2- أن يعطينا المجد والخيرات والبركات : " وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد " (عبرانيين 2 : 10)

إذاً لقد خلقنا الله لهدف جليل ، وهو أن نكون له أبناء ، وعلمنا أن نصلى قائلين : أبانا الذى فى السموات ... فهو إله الحب ، طبيعته المحبة ، وأهدافه مملوءة بالمحبة الخالصة ..

هل لمع أمام عينيك هذا الهدف السامى من خلقة الله لكَ ، أم لا زلت عبداً لتصورات خاطئة عن الله غرسها الشيطان فى أذهاننا ليضع العوائق بيننا وبين الله ؟

إن هدف الله الجليل من خلقتنا ، كان سببها وجود مشاعر حب فياضة تجاه الإنسان فى قلب الله ، لذا قال : " فرحة فى مسكونة أرضه ، ولذاتى مع بنى آدم " (أمثال 8 : 31) ، أى نعيمى مع بنى البشر ، فالله يريدنا أن نرتبط به ، لا بالإكراه ، أو بالإجبار ، بل بالحب .. إنها المحبة الفائقة المعرفة التى فى قلب الله تجاه أولاده كأب حنون يجد سعادته الحقيقية فى فرحة وسعادة أولاده ..
لذا قال القديس يوحنا الحبيب الذى ذاق هذه المحبة الفياضة التى فى قلب الله تجاه أولاده فقال : " انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله ... " (يوحنا الأولى 3 : 1)
لذا فنحن نحتاج الآن أن تتغير رؤيتنا عن الله التى ترسبت داخلنا بسبب بعض المبادئ المغلوطة التى تعلمناها فى الصغر عن الله بأنه الجبار المتجبر الذى يريد أن يلقى بنا فى النار ، إلى أنه الأب الحنون الذى يجد سعادته القلبية فى راحة وسعادة أولاده ...
القديس أغريغوريوس قال: [ من أجل لجة محبتك للبشر ... خلقتنى إنساناً كمحب للبشر ، ولم تكن أنت محتاجاً لعبوديتى ، بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك .. ]

تُرى ، ما هو الدليل الذى يثبت لنا أن الله يحبنا كل هذه المحبة العظيمة ، وأن لديه كل هذه المشاعر النبيلة من نحو الإنسان ؟
إن أقوى دليل على ذلك هو أن الله خلقنا على صورته كشبهه كما قال الكتاب : " وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشـبهنا ... فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهما .. " (تكوين 1 : 26 ، 27) ، لاحظ تكرار كلمة صورة الله 3 مرات فى الآيتين ...

وبالطبع ليست صورة الله فى وجهه ، من أنف وعينين وفم وخلافه ، فالله روح ... لكن على صورة الله فى البر وقداسة الحق .. فالله البار ، والقدوس ، والحق .. خلق الإنسان على نفس الصورة : فى البر والقداسة والحق ... (أفسس 4 : 24)

كما أن الله قد ميَّز الإنسان عن باقى المخلوقات بأن خلق له عقــلاً وأعطاه موهـــبة النطق ، وخلق له روحاً خالـدة لا يمكن أن تموت ولا تنتهى أبداً ...

هل تأكد لنا الآن من خلال هذا الدليل القوى مدى لجة محبة الله لنا ، عندما ميّزنا بأسمى ما فى الوجود بأن خلقنا على صورته ومثاله فى البر وقداسة الحق .. إذا اردت أن تكون مؤمناً حقيقياً ، فلا بد أن تتأكد جيداً من محبة الله فائقة المعرفة تجاهك ، فتبادله حباً بحبٍ ...

طلبتى إلى الله أن يمتعنا بالثقة اليقينية فى محبته وتقديره لقيمتنا .. له المجد فى كنيسته إلى الأبد .. آمين .

عمر
مشاركات: 8
اشترك: أكتوبر 24th, 2010, 8:38 pm

أكتوبر 24th, 2010, 8:58 pm

الأخت أم النور

شكرا

لكن في المسألة شيء غير واضح، كيف خلقنا الله بدافع المحبة، ونحن لم نكن موجودين. كيف أحبنا من غير أن نوجد. هل هذه شطحة أخرى من شطحات المسيحيين المألوفة عن الثلاثة في واحد وغيرها...

القرىن الكريم يؤكد أن الله خلق الجن والإنس ليعبدوه. يقول تعالى في سورة الذاريات: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

عمر

لي عودة إلى الموضوع

ام النور
مشاركات: 26
اشترك: أكتوبر 7th, 2010, 7:21 pm

أكتوبر 26th, 2010, 6:46 pm

الأخ عمر .
احنا بشر و مع ذلك بنحب أطفالنا وهم في الرحم و لم يولدوا بعد .. و قبل ان نراهم نرتب حياتهم و نختار أسمائهم و البعض احيانا يتزوج ليرزق الذرية الصالحة و يحلم بالبنين و البنات..
فهل صعب أو كتير على الله سبحانه انه يحبك و يحبني قبل ما نولد أو نوجد...و هو جل اسمه العارف بنا و أسماءنا و شخصياتنا قبل ان تحمل بنا امهاتنا
و بعدين خليني معاك ... لو هو مش بيحبنا ..يبقى إما بيكرهنا ..أو مش بيحبنا و مش بيكرهنا... صح؟؟
الأحتمال الأول انه بيكرهنا دا غير صحيح .. لأن الله جل شأنه منزه عن هذه الصفة القبيحة
و لو مش بيحبنا و مش بيكرهنا .. يبقى خلقنا ليه ؟ تضييع وقت يعني .. بيتسلى بينا ..و بعدين يدخلنا النار ... حاشا
أخي .. مع الأسف ..دي مشكلتك و مشكلة كتير من الناس..ليس المجال هنا لمن يكسب (المعركة) أقصد ( المناقشة ) و مين صح و مين غلط .. لكنه كلام لو تمعنا فيه يمكن ان يغير حياتنا و أفكارنا .. فكيف تستقيم حياتك و انت تشك في خالقك و ربك ووليك هل يحبك ام يكرهك ام مجرد يتسلى بك ... أرجو التمعن و التفكير قبل الرد.
سلام

hanna_i
مشاركات: 20
اشترك: سبتمبر 1st, 2010, 8:36 am

أكتوبر 27th, 2010, 6:49 pm

قصة حب... قصة حقيقي لمستني
https://secure.ushaaqallah.com/phpBB3/v ... =16&t=3904
حنان

ibrahimic
مشاركات: 7
اشترك: نوفمبر 11th, 2010, 7:07 pm

نوفمبر 13th, 2010, 10:35 am

الاخوة والاخوات الاعزاء
وهل الله موجود فعلاً؟
ام انه غير موجود وهل هناك فعلاً برهان قطعي على وجوده ام ان كل ما هنالك فقط ادلة وادلة مضادة فقط؟
تحياتي

عمر
مشاركات: 8
اشترك: أكتوبر 24th, 2010, 8:38 pm

نوفمبر 13th, 2010, 3:35 pm

أخي إبراهيمي

الوجود نفسه هو البرهان على وجود الله. هل يمكن تصور وجود بدون خالق أوجده.

قل لي من فضلك براهين عن عدم وجود الله.

أخوك عمر

ibrahimic
مشاركات: 7
اشترك: نوفمبر 11th, 2010, 7:07 pm

نوفمبر 13th, 2010, 6:06 pm

أخي ابراهيم
شكرا على مرورك
انا سألت هل الله موجود؟
فأنا لم أقل ان الله غير موجود بل سألت
وهل هناك فعلاً برهان قطعي على وجوده

أما جوابك " ا لوجود نفسه هو البرهان على وجود الله"
فكلمة الوجود لاتعني كلمة الله ( الوجود الله ) ( الله موجود)
فمثال في الجملة التحليلية الخبر الذي يدخل في معنى المبتدأ يكون تعريف لها وتكون صحيحة بالضرورة ( مثال الاعزب غير متزوج ، العم أخو الاب ) ففي الجمل السابقة الخبر يدخل في معنى المبتدأ بالضرورة وهي علم ضروري وعكسه مستحيل ( الاعزب متزوج ، العم أخو الام ) هذه الجمل باطلة لآن الخبرلايدخل في معنى المبتدأ
فعليه فالجمل التركيبية التي أتيت بها لا تصلح لأن تكون برهان على وجود الله مثل ( الوجود الله ) ( الله موجود)


أنا أسف إذا كنت لا أعرف إيضا ً اذا كان الله غير موجود
لأن عبارة ( الله غير موجود ) ينطبق عليها ايضا ما قيل آنفا فالخبر "غير موجود " لكلمة " الله" المبتدأ هو خبر لا يدخل في معنى المبندأ و ليس الصفة التعريفية الاساسية لكلمة الله .
أرجو ان أكون قد أوضحت لك ما قصدته

تحياتي

ibrahimic
مشاركات: 7
اشترك: نوفمبر 11th, 2010, 7:07 pm

نوفمبر 13th, 2010, 6:12 pm

اخي عمر
أسف انني كتبت اسمك ابراهيم بدلا من عمر كان ذلك خطأ مني
تحياتي

hanna_i
مشاركات: 20
اشترك: سبتمبر 1st, 2010, 8:36 am

نوفمبر 14th, 2010, 8:50 pm

نظرية بليز باسكال للنقاش مع من يشك في وجود الله ، هي في غاية البساطة و بعيده عن التعقيدات الفلسفية
لمن يريد قراءة النظرية
https://secure.ushaaqallah.com/phpBB3/v ... 445#p74445
حنان

malachi
مشاركات: 7
اشترك: نوفمبر 13th, 2010, 3:51 pm

نوفمبر 18th, 2010, 9:35 pm



أخي إبراهيم

لك هذه الشذرات

أورد العالِم ا. كرسي موريسون، رئيس أكاديميّة العلوم في نيويورك، طائفة من الأدلّة العلميّة تؤيّد الإيمان بوجود الله، منها:

(أ)تدور الأرض حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة ولو أنّها دارت بسرعة ماية ميل في الساعة، لأصبح الليل والنهار عشرة أضعاف ممّا هما عليه. وتبعاً لذلك تحرق الحرارة النباتات في النهار، أو يقتل الجليد الكائنات الحيّة في الليل.

(ب)تبلغ درجة حرارة سطح الشمس 12 ألف درجة بمقياس فهرنهايت، و الأرض قائمة في الوضع المناسب بالنسبة لهذه الحرارة، بحيث لو هبطت حرارة الشمس إلى النصف لتجمدنا. وعلى العكس لو تضاعفت لكنّا احترقنا.

(ج)إنّ انحراف كرويّة الارض بمقدار 23 درجة أوجد لنا الفصول الأربعة. ولو لم تكن منحرفة هكذا لتحرّكت أبخرة المحيطات شمالاً وجنوباً وقذفتنا بكمّيّات لا تُقدَّر من الجليد.

(د)لو أنّ القمر على بعد خمسين ألف ميل فقط لتعرّضنا للغرق مرّتَين كلّ يوم ولتفتّتت الجبال.

(ه)لو أنّ قشرة الأرض أكثر سماكة ممّا هي بعشرة أقدام لانعدم الأوكسجين، وتبعاً لذلك تنعدم الحياة.

(و)لو أنّ المحيطات أعمق ممّا هي الآن بأقدام قليلة لامتُصّ ثاني أوكسيد الكربون والأوكسجين، وماتت الحياة النباتيّة.

(ز)لو أنّ الجوّ المحيط بالأرض أقلّ سمكاً ممّا هو لتعرّضت الأرض للحرائق بسبب النيازك التي ترتطم بسطحها كلّ يوم.

وينهي العالم الكبير ملاحظاته بالقول إنّ هذه الحقائق والكثيرة من أمثالها تقنعني بأنّ الكوكب الذي نعيش عليه لم يأتِ بمحض المصادفة بل هو من صنع إله حكيم، قادر على كلّ شيء.

أخوك ملاكي مع المحبة

ibrahimic
مشاركات: 7
اشترك: نوفمبر 11th, 2010, 7:07 pm

نوفمبر 19th, 2010, 5:31 pm

أخي ملاكي مع المحبة
أشكرك على مرورك

يمكنك الرجوع الى كتاب الفيلسوف الأنجليزي براتند رسل ( لماذا لست مسيحيا ) لتعلم أن هناك ادلة كثيرة مضادة لما أوردته في مداخلتك وهي تشير الى عكس أن هناك صانع وإله حكيم، قادر على كلّ شيء. وبذلك ستجد أن ما تراه أحتمال يراه غيرك الإحتمال المخالف لإحتماله وعليه أكرر سؤالي هل لديك غير الإحتمال. أي العلم ، والعلم هو الضرورة والإستحالة وليس الإحتمال (الظن)


( اقتباس)
الاستدلال الغائي على وجود الله

ق1 - كل شيء به تصميم أو إبداع ، لابد له من مُصمم أو مُبدع
ق2 - العالم به تصميم أو إبداع
ن - التصميم أو الإبداع في العالم نتاج لعمل مصمم أو مبدع

يتكون الاستدلال الغائي من مقدمة كبرى(ق1) و مقدمة صغرى (ق2) ونتيجة (ن) ، والنتيجة الاستناجية في هذا الاستدلال تقرر بأن التصميم أو الإبداع في العالم يستلزم بالضرورة وجود مصمم أو مبدع وهو الله . (البرهان)
ويقوم عادة هذا الاستدلال على قياس ، أشهرها هو (صانع الساعات) . فكما هو التصميم الموجود بالساعات يتضمن صانعي ساعات أذكياء قاموا بهذا العمل ، فالتصميم الموجود بالكون هو بالضرورة نتاج لعمل مصمم مبدع هو (الله).
إن الاستدلال الغائي لا يعبر بوضوح على أن إيجاد مادة الكون وليس بالضرورة التصميم هو نتاج لعمل مصمم مبدع . أي أن الاستدلال لا يتضمن مسألة خلق المادة . وبعبارة أخرى أن المادة ( التي بدأ عليها التصميم) ليست بالضرورة مادة الكائن الذي لم يكن له وجود . فالتصميم تم على مادة الكائن الذي كان موجود. ومن هنا فالاستدلال يترك مسألة حدوث المادة بدون معالجة.
و إذا كان هدف الأوائل أصحاب هذا الاستدلال هو الدفاع على مسألة الحدوث وخلق الكون ، بدلا من التصميم الموجود في الكون فقد فشلوا في ذلك بكل أسف. فلإثبات خلق مادة الكون هناك حاجة إلى استدلال أخر مختلف عن هذا الاستدلال.
إن الاستدلال الغائي على وضعه الحالي يتضمن تواجد متزامن لمادتين أبديتين . أحدهما أثرت في الأخرى وأوجدت فيها التصميم و الإبداع . وباعتبار الخلق فإن أكثر ما يستطيع أن يدعيه أصحاب هذا الاستدلال هو أن المادة الفاعلة المؤثرة هي حية وهي (الله) وأن المادة المؤثر فيها ميتة وهي المخلوقة (العالم).
وكما قيل سابقاً فإن الاستدلال الاستناجي ينتج عنه الظن فقط ولا يضمن الحصول على العلم . فنحن لا نعلم بالضرورة حقيقة النتيجة حتى لو كان الاستدلال الاستناجي سليم . فمن أجل أن تكون النتيجة (صادقة) نحن بحاجة إلى إثبات أن المقدمات (صادقة). فكيف لنا إثبات أن المقدمات (صادقة) ؟
إن الاستدلال الغائي يتضمن وجود كائنان ( الله ) و(الكون) ، والثنائية هنا بين (الله) و(كل الكون) وليس بين (الله) و (كيانات تجريبية) (الساعات) . ذلك لأن الله والكون كلاهما كائن على نفس المستوى . في حين أن الكيانات التجريبية هي فقط مكونات من ذلك الكائن (الكون) .
فيجب علينا عدم الانتقال اعتباطيا من مستوى الكيانات التجريبية إلى مستوى الكائنات ( الله ) و(الكون) كما يقترح الاستدلال الغائي.فهذا التمييز بين المستويين يجب أن يراعى.
وبفحص الاستدلال الغائي نجد أنه هناك فرق كبير بين ما أرد أصحاب هذا الاستدلال تحقيقه ، وبين ما يقرره هذا الاستدلال.
فأصحاب الاستدلال أرادوا تحقيق التالي : بعض الكيانات التجريبية بها تصميم فهي مصممة ، وبذلك كل الكيانات(حتى غير التجريبية)التي بها تصميم فهي مصممة من قبل مصمم . ونلاحظ هنا التحرك الخفي من الكيانات التجريبية(الساعات) إلى كل الكيانات ، وهذا يعتبر انتهاك لمعايير الاستدلال الاستناجي .
والمحصلة هنا أنه ليست النتيجة فقط باطلة بل الاستناج غير صالح . فالاستدلال الاستناجي السليم يستلزم مقدمة كبرى تحتوي على طبقة كل الكيانات المُخبر عنها ، والمقدمة الصغرى تحتوي على كيان يُعرف على أنه عضو من تلك الطبقة ، ثم تأتي النتيجة التي تتضمن ذلك العضو الذي أُخبر عنه أو عُرَف في المقدمة الكبرى.
ولنتفحص الاستدلال من ناحية صحته قبل الخوض في مسألة صدق / أو حقيقة نتيجته.
ق1 - طبقة الكيانات التي بها تصميم مصممة
ق2 - العالم به تصميم
ن - إذا العالم مصمم
ونلاحظ هنا الفرق بين مبتدأ ( ق1) (الكيانات) مقابل مبتدأ ( ق2 ) (العالم) . وفي الاستدلال الاستناجي الصحيح مبتدأ المقدمة الصغرى يجب أن ينتمي إلى الطبقة التي تُكون مبتدأ المقدمة الكبرى . وهنا مبتدأ ( ق2 ) هو العالم . ولهذا ليكون الاستدلال صحيح يجب أن يكون مبتدأ ( ق1) هو طبقة كل العوالم . أو أن يبقى ( ق1) كما هو ، ويكون مبتدأ ( ق2 ) كيان به تصميم مثال الساعة .
والمثال التالي سيساعد في تبين الموضوع:
ق1 - كل البجعات بيض
ق2 - (ص) بجعة
ن- (ص) بيضة
المبتدءان في كل من (ق1) و (ق2) بجعات . فإذا كانا المبتدءان في (ق1) و (ق2) غير متطابقان فالاستناج ليس فقط باطل بل غير صحيح. وإذا كانت الحقيقة مفقودة في نتيجة استدلال استناجي صحيح فالاستدلال يبقى صحيح مع غياب صدق وحقيقة نتيجته . ولكن إذا فقدت صحة الاستدلال فلن يبقى هناك استدلال استناجي أصلاً.

وللقيام بعملية تحسين في هذا الاستدلال .
هناك أربع احتمالات باعتبار المبتدءات :
1- انتقال الاستدلال من كل العوالم إلى هذا العالم .
2- انتقال الاستدلال من كل الكيانات التجريبية إلى كيان تجريبي واحد.
3- انتقال الاستدلال من كل العوالم إلى كيان تجريبي واحد.
4- انتقال الاستدلال من كل الكيانات التجريبية إلى عالم واحد.
ومن الواضح أن الخياران الثالث والرابع يمثلان انتهاك لصحة الاستدلال لأنهما يخالفان شروط الاستدلال الاستناجي وبذلك سيتم استبعادهما .وبالرجوع إلى الاستدلال الغائي وكيفية تحسينه نستعين بالخيار الأول :
ق1 - كل العوالم التي بها تصميم أو إبداع ، لابد لها من مُصمم أو مُبدع
ق2 - العالم به تصميم أو إبداع
ن - هذا العالم له مصمم أو مبدع
بالرغم من أن التحسين الحاصل على الاستدلال الغائي قد أفاد في صحة الاستدلال إلا أن (ق1 ) و( ق2 ) مازالا في حاجة إلى إثبات صدقهما . ولنركز على ( ق2 ) العالم به تصميم أو إبداع ، ولنتحقق من أن العالم به تصميم وإبداع أو لا ، علينا التحقق من أن كل مكونات العالم بها إبداع و تصميم ، وبهذا المعنى المسألة تجريبية ، وهذا ينطبق أيضا على (ق1 ) علينا التحقق من أن كل العوالم بها إبداع و تصميم .
وإذا أخدنا في الاعتبار مدى اتساع رقعة العالم ومدى محدودية الإدراك الحسي للإنسان . سيكون من المستحيل تحقيق هذا الهدف. ومن المستحيل أيضا اختبار أي عوالم أخرى من خلال التجربة والمشاهدة.
والشيء الممكن هو الالتجاء إلى الاستقراء لتحقيق مثل هذه المقدمات . ومن الواضح هنا أن ما يسمى بالاستدلال الاستناجي ما هو إلا استقراء مقلوب . (ق1 ) كل العوالم التي بها تصميم أو إبداع ، لابد لها من مُصمم أو مُبدع ، ما هي في الأصل إلا نتيجة لاستدلال استقرائي ، بينما ( ق2 ) هو حالة داعمة للاستقراء . ويجب علينا أن نلاحظ أنه حتى في حالة صحة الاستقراء تظل النتيجة احتمالية فقط.
إن عمليات الاستدلال الاستقرائية قائمة على عينات تمثيلية ، وليست على كل الحالات المطلوب اختبارها. وأي عملية استدلال استناجي تأخذ نتيجة استقرائية كمقدمة لها سوف ترث تلك السمات الاحتمالية بداخلها. وبذلك ستكون النتيجة احتمالية الصدق حتما. وهذا يقضي على هدف الاستدلال وهو العلم بوجود الله وليس الظن بوجوده.
ولنعد إلى الاستدلال الغائي لتفحصه في ضوء ما ذكر:
ق1 - كل شيء به تصميم أو إبداع ، لابد له من مُصمم أو مُبدع
ق2 - العالم به تصميم أو إبداع
ن - التصميم أو الإبداع في العالم نتاج لعمل مصمم أو مبدع
فــ (ق1) هي نتيجة استقرائية لاستدلال استقرائي (كمثال لتصميم الساعة ) والمصممة من قبل الإنسان ، وللانتقال من التصميم البشري إلى تصميم غير بشري نحن بحاجة إلى عدد من الشواهد المعتبرة التي تؤيد أن كيانات تجريبية غير تلك المصممة من قبل الإنسان ، هي مصممة من مصمم غير بشري .وهذا يتضمن أنه علينا تجميع مكونات العالم بما فيها الإنسان نفسه في طبقات ، ونقوم تجريبيا بإثبات أن عدد معتبر من هذه الأعضاء في كل طبقة مصمما ، مع عدم وجود أي شاهد مخالف لهذا. وعندئذ نصل إلى النتيجة الاستقرائية أن كل الأعضاء في كل طبقة مصممون. وعندئذ فقط سيكون من المبرر استقرائيا استنتاج أن العالم(بكل مكوناته ) مُصمم.
وإذا ما تمكنا من الوصول بطريقة ما إلى أن كل مكونات العالم مصممة ، عندئذ فالتصميم سيكون سمة لكل المكونات.وعلى هذه الحالة، هذا سيستلزم أن سمة التصميم ستكون غير ذات فائدة في سياق الاستدلال الغائي حيت أن هذا المصطلح سيكون مساوي لمعكوسة وستكون (الساعة) مساوية (للبقعة/ للطخة التي حدث بالمصادفة على بساط) بسب أن كليهما به تصميم . ففي البداية كانت كلمة تصميم تتضمن وجود تصميم وعدم تصميم . فإذا كان كل مكونات العالم التجريبي شواهد للتصميم ،عندئذ لن يكون هناك مبرر لاستخدام كلمة تصميم. ببساطة بسبب أنه لن يكون هناك كيانات شواهد لعدم التصميم. إن استخدام التصميم يتضمن التباين بينها وبين غيرها. على سبيل المثال عندما يقال (قطة بيضاء) ، فذلك فقط بسبب وجود قطط أخرى غير بيضاء. و إلا فكلمة قطة وحدها تكفي. والخلاصة هي أنه لو أن مصطلح التصميم مساوي /ومكافئ لمعكوسه فإن ذلك سيؤسس للتخلي على مبادئ التواصل الأساسية.
ولنفترض أننا تمكنا من الوصول إلى أن العالم به تصميم ، فسيبقى أمامنا أيضا معالجة (ق)1. ولسوء الحظ فإن الاستدلال الاستقرائي غير ملائم لذلك، ببساطة بسبب عدم جدوى المنهج التجريبي الذي يقع في قلب هذا الاستدلال.
فعادة ما يتكون الاستدلال الاستقرائي من عدد تمثيلي كافي من الشواهد الداعمة للقضية مع انعدام شواهد مخالفة لها. والتي منها يتم تبرير التعميم إلى كل الشواهد (الفعلية والاحتمالية).(الاستدلال الاستناجي ما هو إلا استقراء مقلوب)
ق2 - العالم به تصميم أو إبداع
ق1 - كل العوالم بها تصميم أو إبداع
فهنا ( ق2) تتكون من حالة مفردة وهذه الحالة المفردة تم تعميمها على كل الحالات ( كل العوالم الاحتمالية يجب ن تكون مصممة) . هذا يظهر أن محتوى الاستدلال ليس ناتجا حتى عن استقراء سليم . فالعينة التمثيلية المستخدمة تتكون فقط من حالة مفردة ! والاستدلال يفشل حتى في تحقيق الوصول إلى نتيجة ظنية لأنه لا يفي بشروط الاستدلال الاستقرائي.
إن الاستدلال في الأساس هو قياس ويستخدم ( ق2) (العالم به تصميم أو إبداع) كمثال لتوضيح ما يعبر عنه (ق1) ( كل العوالم بها تصميم أو إبداع ). ولكن القياس لا يفيد إلا في توضيح النقاط الراسخة والمثبتة ولتقريب الفهم وليس للبرهنة وإثبات صدق وحقيقة القضايا ( فلا فائدة منه هنا).
إن المثال المستخدم في القياس الغائي قابل للنقاش والدحض من منظور فكرة التصميم والغاية نفسها أيضاً.
فهناك حاجة إلى تقرير ما إذا كان فهم التصميم/ الغاية من منظور الإنسان أم من منظور غيره.
وبمعنى أخر أنه يمكن أن يقال أن سمة التصميم هي لكل ما هو موجود طالما كل ما هو موجود مركب وبمصطلح التركيب لن يكون هناك فرق بين الساعة وأي صخرة. وبهذا فالتصميم لا يعني أكثر من التركيب.وهو سمة لكل مادة مركبة . وبذلك فمصطلح التصميم لن يكون له أي علاقة بوجود الله لأنه سيكون نتيجة لعمل مبدع أو الصدفة.
ففي البداية أردنا أن نعلم ما إذا كان الكيان به تصميم أم لا . وما يقال هنا أن كل كيان به تصميم بالتعريف.
فهنا أصبح التصميم والتركيب مترادفان. وهذا يزيح التساؤل من سبب التصميم إلى سبب التركيب .
والحقيقة نفسها ستنطبق على الغاية.فإذا كانت الغاية المقصود بها هنا ما نسبته إلى الإنسان. وبذلك ستكون سمة لكل ما هو موجود. وهذا يقدونا إلى نقطة الصفر من جديد.
فسيكون من غير المبرر الادعاء بأن العالم له غاية . بسبب أنه هناك أوجه أخرى للعالم وهي التي يمكن أن تبطل وتلغي التصميم والغاية. والإشارة هنا إلى تلك الأوجه المهددة لحياة وسعادة الإنسان ، مثل : الزلازل والجفاف والأمراض و الخ... وإضافة إلى ذلك فإن طبقة النوع البشري يجب أن يعاد تقييمها وفقاً لأعضائها الذين قد يشكلون خطراً على بعضهم البعض.فإذا أخدنا في الاعتبار حالات : القتل والسرقة و الخ..فذلك يعني أنه بدلا من وصف العالم على أن (ذو غاية أو غير ذو غاية ) ، يجب علينا وصفه بكلا الوجهين اللذان يشكلان طبيعته . ويجب الأخذ في الاعتبار أن نظام الفوضى ربما يحتوي على بعض عناصر النظام داخله. و من هنا (ووفقا للنظام من المنظور البشري) فالعالم فوضوي وبدون غاية بالتعريف.

وإذا أصر المؤمن بالرغم من ذلك على أن للعالم غاية وهدف فهو ينتهك بذلك حرمة اللغة ويهجر مبدءا التمييز بين الغائية و الآغائية.
وإذا تم الاعتراض بأن الفوضى جزء من التصميم ، فهذا سيتضمن بأن كل ما هو موجود بغض النظر عن طبيعته مصمم . وسيكون من العبث اعتبار أوجه التصميم في الكون تدل على وجود الله . وسيكون الاستدلال كالتالي :
"العالم المصمم موجود ، إذا الله موجود " . وهذا سيظهر مدى الإفلاس الفكري للمعترض.
والآن ووفقا للتحليلات السابقة يمكن إعادة صياغة الاستدلال الغائي على النحو التالي:
1- إذا كانت الغاية والهدف من المنظور الإنساني: كل العالم فوضى بالتعريف والاستدلال سيأخذ الشكل التالي:
ق1 - كل الكيانات التي عندها غاية أو هدف لها مُصمم أو مُبدع/مبدعون
ق2 - العالم فوضى
ن - هذا العالم ليس له مصمم أو مبدع
2- إذا كانت التصميم ليس من المنظور الإنساني ، الاستدلال سيأخذ الشكل التالي:
ق1 - كل الكيانات المركبة بها تصميم
ق2 - العالم مركب
ن - العالم به تصميم
إن الشكل الأخير من الاستدلال يقودنا إلى نقطة الصفر من جديد. وسنبقى نواجه السؤال ( هل خالق العالم "الله" موجود). أن الاستدلال الغائي حتى بعد إعادة صياغته في التحليلات السابقة،يبدو أنه لا يفشل فقط في الإجابة على سؤال " هل الله موجود " بل يفشل تماماً حتى في التعامل مع هذه المسألة.

تحياتي

malachi
مشاركات: 7
اشترك: نوفمبر 13th, 2010, 3:51 pm

نوفمبر 26th, 2010, 7:29 pm

أخي إبراهيميك

يبدو أنك من المعجبين بهذا الفيلسوف الأبله الإنجليزي الذي كان مغرقا في التناقضات الفكرية وفي عبادة عقله الضئيل.

وحتى تتبن أكثر ويتبين معك القراء حقيقة هذا الصنم الإلحادي، هذه مقتبسات من خلاصة أفكاره وتبيان زيفها:

المقتبسات أولا:

قوة هذا الملحد أنه قد بسط أفكاره السياسية والإلحادية المتطرفة في كتابات أدبية مؤثرة .
أثرت كتاباته السهلة على العامة ، وأثرت كتاباته العميقة على الفكر الأوروبي المعاصر كله .
استعراض لأهم آرائه وأفكاره وحركة فكره الفلسفية :
أولاً: سار في فلسفته ضمن أطوار ، من المثالية إلى الوضعية . وقد ركز اهتمامه أخيراً على المذهب الوضعي ، فصار يرى أن المعرفة تظل مستحيلة ما لم نستعن في محاولة الوصول إليها بمناهج الطبيعة .
وواقعية "رسل" قريبة من الواقعية الملاحظة في مذهب "هيوم" التجريبي .
وقد سيطر على فلسفته مذهب الشك ، حتى كاد الشك المطبق يخيم على جميع جوانب فلسفته .
وعلى الرغم من حدة ذكائه ، وسعة اطلاعه ، عجز عن أن يضع مذهباً فلسفياً متناسقاً ، يربط بين جميع آرائه ونظرياته ، وعجز أيضاً عن تحاشي الوقوع في التناقض ، إذ يلمس الباحث القارئ لكتبه ، ظاهرة التناقض جلية في بعض جوانب فلسفته .
لقد تبنى مواقف فكرية كان من سماتها التغير المتواصل ، فلم يكن يثبت عند موقف منها . وانتهى إلى الادعاء بأنه يستحيل إدراك الواقع خارج نطاق مناهج علوم الطبيعة ، فحصر المعرفة في العلوم الطبيعية وحدها ، ثمّ أخذ يتشكك حتى في قيمة تلك المعرفة ،وهو في ذلك يقول :
"حتى المعرفة التي تمدنا بها علوم الطبيعة لا تعدو أن تكون مجرد معرفة احتمالية".
ثانياً: رفض "رسل" مثالية "هيجل" كلها رفضاً قاطعأً ، وادعى أن العالم الواقع يتألف من مجرد معطيات حسية تترابط فيما بينها بواسطة علاقات منطقية صرفة . وزعم أن المادة وإن كان لها وجود واقعي ملموس ، فمن المستحيل إدراكها إدراكاً مباشراً.
ومضى "رسل" في بلورته لنظريته في المعرفة دون أن يخرج بها عن النظرية الأفلاطونية الكلاسيكية ، بيد أنه ينتهي فيما بعد إلى التسليم بعجزه عن تقديم حلول قاطعة لمشكلة المعرفة في جملتها ، نظراً إلى ما يكتنف تلك المحاولة في رأيه من صعوبات جمة ، فنراه يقترب من الموقف نفسه الذي انتهت إليه الوضعية قبله .
واعترف "رسل" بأن آراءه في علم النفس قد جاءت مغرقة في نزعتها المادية ، ومع ذلك فإنه لم يتبنَّ وجهة نظر مادية خالصة في هذا المجال .
ثالثاً: ذهب إلى اعتبار الإنسان جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة . وزعم أن العقل الإنساني خاضع للقوانين الطبيعية ، إذ اعتبرها متحكمة في جميع ضروب الفكر .
وزعم أن العلم الذي يشكل المصدر الوحيد لمعرفتنا ، لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله ، أو بخلود النفس .
وزعم أن فكرة الخلود فكرة بالغة البطلان والاستحالة ، إذ لو كان الخلود هو المصير الذي ينتظر النفس بعد الموت ، فما السبب إذن في عجز النفس عن أن تشغل لها حيزاً إلى جانب الجسد في هذه الحياة الدنيا؟ .
رابعاً : أفرط "برتراندرسل" إفراطاً شديداً في صب هجومه على الدين قائلاً:
" إن الدين لا يقوم إلا على عوامل الترهيب والتلويح بالعقاب ، وبالتالي فإن الدين يشكل ضرباً من ضروب الشر التي تملأ هذا العالم . وهذا هو السبب في أننا نجد أن أولئك الذين لم يبلغوا بعدُ درجة كافية من النضج الأخلاقي والعقلي هم وحدهم الذين ما زالوا يتمسكون بالمعايير الدينية التي تناهض بطبيعتها جميع المعايير الإنسانية الخيرة التي يجب أن تسود عالمنا الحديث .
خامساً: يرى "رسل" أن للإنسان إرادة حرة تدفعه إلى أن يقيم لنفسه في الحياة مثلاً عليا ، يطمح بها إلى تحقيق حياة خيرة ، تسير على هدى المعرفة والمحبة الإنسانية ، ومن شأن حرية الاختيار هذه أن تغني الإنسان عن البحث عن نظريات أخلاقية لا طائل وراءها .
وإذ زعم أنه لا جدوى للنظريات الأخلاقية التجريدية لضرورات الحياة العملية ، فقد بدا له أن يقدم برهاناً على ذلك مثال الأم التي تواجه مرض طفلها الصغير ، فقال : إن تلك الأم لا تحتاج في سعيها وراء شفاء طفلها إلى مشرعين أخلاقيين ، وإنما تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب .
وللتشجيع على الإباحية الجنسية ، زعم "رسل" أن القواعد الأخلاقية قد أخذت ترتكز اليوم شيئاً فشيئاً على تصورات خرافية باطلة . منها على سبيل المثال ما نشاهده من انحراف في سن التشريعات الأخلاقية الجنسية ، المتمثلة اتجاه المجتمعات الحديثة إلى تحريم جميع صور الزواج الجماعي ، وقصره على صورته الواحدية ، وفي استهجان الزنى ، ومحاربة الزانين .
وزعم أن السعادة التي هي الغاية التي يجب أن تطمح الإنسانية إليها ، لا سبيل إلى بلوغها إلا بقهر عوامل الخوف والإرهاب اللذين دأبت الأديان والشرائع الأخلاقية على التلويح بهما في وجه الإنسان ، وذلك بالوقوف في وجههما بفضائل الشجاعة والإقدام ، وتقويتهما عن طريق التربية ، وخلع الكمالات على الإنسان بالتحلي بشتى القيم...
سادساً: سئل "برتراندرسل" : هل يحيا الإنسان بعد الموت؟
فأجاب بالنفي ، وشرح جوابه بقوله :
"عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم ، وليس من خلال ضباب العاطفة ،نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت ، فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت يبدو لي بدون أي مرتكزٍ أو أساسٍ علمي . ولا أظن أنه يتسنى لمثل هذا الاعتقاد أن ينشأ وأن ينتشر لولا الصدى الانفعالي الذي يحدثه فينا الخوف من الموت . لا شك أن الاعتقاد بأننا سنلقى في العالم الآخر أولئك الذين نكن لهم الحب ، يعطينا أكبر العزاء عند موتهم ، ولكني لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا ، فليس لنا أي حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً لعواطفه وآمالنا ، ولا أحسب أن من الصواب والحكمة أن نعتنق آراء لا تستند إلى أدلة بينة وعلمية" .
سابعاً: كتب "رسل" قصة أدبية ، ذكر فيها أن السديم الحار دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى دوراناً ذاتيا ، ثمّ نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة ، بطريق المصادفة ، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون ، يعود به كل شيء إلى سديم ، كما كان أولاً .
وعلق الملحد "صادق جلال العظم" على هذه القصة الخيالية ، التي سماها قطعة أدبية جميلة فقال :
" هذا المقطع الذي كتبه "رسل" يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية : نشوء الكون وتطوره . نشوء الحياة وتطورها . أصل الإنسان ونشأته وتطوره . نشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها . وأخيراً يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم ، ولا أمل لكائن بعدها بشيء ، إنه من السديم وإلى السديم يعود" .
ثامناً : ذكر "وحيد الدين خان" ، أنه قرأ كل أعمال "برتراندرسل" واستطاع بعد قراءتها أن يلتقط من أقواله ما يكشف عن النهايات الفكرية التي انتهى إليها .
إنه بعد أن درس الفيزياء ، وعلم الحياة ، وعلم النفس ، والمنطق الرياضي ، انتهى إلى أن "مذهب التشكيك في الوجود مستحيل نفسياً". ومع ذلك فإن الإنسان عاجز عن أن يحيط إلا بأقل قدر من المعرفة .
ويقول بالنسبة إلى الفلسفة :
"تدعي الفلسفة منذ القدم ادعاءات كبيرة ، ولكن حصيلتها أقل بكثير بالنسبة إلى العلوم الأخرى ".
ويقول "رسل":
"عن تصورنا العلمي للكون ، لا تدعمه حواسُّنا التجريبية ، بل هو عالم مستنبط كلياً ".
ويبلغ به الأمر إلى أن يقول :
" إن أفكار الناس لا توجد إلا في مخيلاتهم فحسب".
أي : إن التجربة لا تستطيع أن تثبت مطابقة هذه الأفكار للواقع .
وانتهى "رسل" أيضاً إلى أن التجربة قد أعطيت لها الأهمية الكبرى ، ولذلك يجب أن تخضع "التجريبية" باعتبارها فلسفةً لتحديات مهمة . يقول هذا حتى في النظريات والقوانين العلمية .
ومع ذلك فإنه يختار لنفسه مذهب الإلحاد ، ويعتمد على افتراضات لا يمكن إخضاعها للتجربة بحال من الأحوال ، وذلك بالنسبة إلى نشأة الكون والحياة . ويرجح الداروينية مع أنها من وجهة نظره فكرة استنباطية لا تدعمها التجربة ، ولا تزيد على أنها فكرة في مخيلات أصحابها .
ويقول أيضاً:
" لقد وجدت معظم الفلاسفة قد أخطؤوا في فهم الشيء الذي يمكن استنباطه بالتجربة فحسب ، والشيء الذي لا يمكن استنباطه بالتجربة ".
ويقول أيضاً:
" لسوء حظنا لم تعد الطبيعة النظرية تحدثنا اليوم بالثقة الرائعة نفسها التي كانت تحدثنا بها في القرن السابع عشر . لقد كانت لأعمال "نيوتن" أربعة تخيلات أساسية ، هي : المكان ، والزمان ، والمادة ، والقوة .
وقد أصبحت هذه العناصر نسياً منسياً في علم الطبيعة الحديث. فقد كان الزمان والمكان من الأشياء الجامدة والمستقلة عند "نيوتن" والآن قد تمَّ تبديلهما بما يُسمى "المكان-الزمان" والذي لا يعتبر جوهرياً أساسياً ، وإنما هو نظام للروابط ، وأصبحت "المادة" شكلاً لسلسلة الوقائع ، وأصبحت "القوة" الآن "الطاقة" . والطاقة نفسها شيء لا يمكن فصله عن المادة الباقية . والسبب كان هو الشكل الفلسفي لما كان يسميه علماء الطبيعة بالقوة ، وقد أصبح هذا التصور قديماً ، إن لم أقل : إنه قد مات فعلاً ، إلا أن هذه الفكرة لم تعد قوية كما كانت من قبل" .
ويقول "رسل" أيضاً:
"إنه قد توصل بعد دراسات استنفدت كل عمره ، إلى أن الاستنباط الذي لا يمكن إيضاحه يعتبر أيضاً مقبولاً وجائزاً ، وعند رفض هذا النوع من الاستنباط سوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل".
ويقول أيضاً:
" إن العلوم تشمل كلا العالمين :الحقيقي والعالم المتخيّل وجوده . وكلما تقدم العلم ازداد فيه عنصر الاعتقاد ، فبعض الأشياء في العلوم حقائق مشاهدة ، ولكن الأشياء العليا تجريدات علمية يتم استنباطها بناءً على المشاهدة . والحقيقة أنه لا يمكن رفض مذهب الشك الكلي إطلاقاً ، إلا أنه مع ذلك يصعب قبول التشكيك الكلي في نفس الوقت".
ويقول أيضاً:
"إنه لا يمكن الادعاء بالقطعية (في النظريات أو الآراء) على النحو الذي سار عليه الفلاسفة المتسرعون بكثرة وبدون جدوى".
ونظراً إلى واقع حال "رسل" التائه عن الحقيقة ، استطاع البروفسور "ألان وود" أن يقرظه بقوله : "برتراندرسل فيلسوف بدون فلسفة".

بيان الزيف في فكر هذا الملحد:

الكاشف الأول : لقد اكتشفنا من أقوال "رسل" أن فلسفته تعتمد على الاعتراف بأن العلوم متى تجاوزت منطقة المدركات الحسية فإنها لا تملك معارف يقينية ، ولكن مع ذلك لا بد من قبول هذه المعارف التي يتوصّل إليها بالاستنباط ، وإن لم تكن يقينية ، لئلا تتعطل الحياة العملية ، وتقف عن الإنجاز ، إذ لا سبيل إلى اليقين فيها.
فليس هو في هذا من الذين لا يقبلون إلا ما يدرك بالحس المباشر أو غير المباشر ، وإنما يجعل ما يتوصل إليه من تفسيرات علمية مقبولاً بصفة ترجيحية ، لضرورة العجز عن الوصول إلى اليقين .
فما الذي صدّه إذن عن الإيمان بالله عزّ وجلّ ، والإيمان باليوم الآخر الذي هو من لوازم حكمته وعدله ، مع أن الأدلة الاستنباطية الترجيحية هنا – إن رُفِض اعتبارها يقينية- أقوى بكثير من التخيلات الأخرى ، التي يفسر بها الملحدون نشأة الكون وتطوره ، ونشأة الحياة وتطورها؟!
هنا تظهر عقدة الهوى والتعصب ضد الدين ، عند "رسل" وعند سائر الملحدين .
وهذا التعصب لديهم ، لا تدعمه أية أدلة مرجّحة لقضية الإلحاد ، بل ليس للإلحاد في الحقيقة أي دليل ، غير مجرد سفسطات وتخيلات تقوم في رؤوس أصحابها فقط .
إن التفسير البديل لقضية الإيمان بالخلق الربّاني إنما هو فرضية الارتقاء الذاتي ، وأزلية المادة .
أما أزلية المادة فقضية مرفوضة علمياً ومنطقياً.
وأما الارتقاء الذاتي فيعبّر عنه "السير آرثر كيث" – كما سبق - بقوله :
"الارتقاء غير ثابت ، ولا يمكن إثباته ، ونحن نؤمن بهذه النظرية لأن البديل الوحيد هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر ، وهو أمرٌ لا يمكن حتى التفكير فيه".
لكن : لماذا لا يمكن التفكير فيه؟
والجواب الوحيد : لأنه لا يسمح له هواه بأن يعترف بالله الخالق ، وبأن يخضع له بعد ذلك خضوع العبادة والطاعة .
فتمرده وتمرد نظرائه الملحدين إنما هو تمرد المستكبرين المعاندين ، أو تمرد طالبي الفجور في الأرض ، دون أن يشعروا بأن فوقهم رقيباً محاسباً ، عزيزاً حكيماً .
وهم يدعون إلى الإلحاد لإضلال الجاهلين ، الذين لم تكشف لهم أضواء المعرفة طريق الحق .
ما أعجب سلطان الهوى ، وسلطان التعصب ، وسلطان الالتزام بالمبادئ الحزبية على الناس!!.
إن هذه المؤثرات التي تجنح بهم عن سواء السبيل ، تسوقهم إلى الشقاء الأبدي والعذاب الأليم ، وتجعلهم يؤثرون الضلالة على الهدى ، والظلمات على النور .
الكاشف الثاني : لقد سقط "رسل" في سخف استدلالي مفضوح جداً ، حين احتج على عدم جدوى النظريات الأخلاقية التجريدية لضرورات الحياة العملية ، على عدم الحاجة إلى مشرعين أخلاقيين ، بمثال الأم التي تواجه مرض طفلها الصغير ، إذ قال : إن تلك الأم لا تحتاج في سعيها وراء شفاء طفلها إلى مشرعين أخلاقيين ، وإنما هي تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب .
إنه بهذا الاستدلال قد لعب لعبة التعميم الفاسد مرتين :
الأولى : حين جعل هذا المثال كافياً لإلغاء حاجة البشرية إلى التشريعات الأخلاقية .
أظن أن مثل هذا الاستدلال لا يقبله أطفال المتعلمين فضلاً عن عقلاء الناس ومثقفيهم ، وذلك لأن الناس جميعاً يلاحظون أن للإنسان نوعين من السلوك :
أما أحدهما فهو يلائم هوى الإنسان وعاطفته أو شهوته ، وهو مع ذلك ينطبق على المبادئ الأخلاقية ، ولا يتعارض معها ، ومن ذلك عاطفة الأم التي تتحرك بلهفة لشفاء طفلها المريض .
وأما الثاني فهو يلائم هوى الإنسان وعاطفته أو شهوته ، لكنه يتعارض مع المبادئ الأخلاقية (الحق والواجب والفضيلة والجمال) ويدخل في هذا النوع الثاني آلاف الأمثلة من السلوك الإنساني . إن أمثلة العدوان على الحقوق ، وظلم الناس للناس ، وجنوح الأهواء الإنسانية إلى ما يسبب الهلاك والدمار ، أمور تدفع إليها الأهواء الإنسانية إلى ما يسبب الهلاك والدمار ، أمور تدفع إليها الأهواء والشهوات أو العواطف الخاصة ، فهي تتلاءم معها ، إلا أنها تنافى مع المبادئ الأخلاقية ، فهي تحتاج إلى مشرعين أخلاقيين .
فماذا يقول "رسل" وأشياعه ، لو ضربنا آلاف الأمثلة التي يحتاج فيها البشر إلى تشريعات أخلاقية ، وهذه الأمثلة مأخوذة من واقع سلوك المجرمين ، والمنحرفين ، والظالمين في الأرض ، ومأخوذة من كثر من صور السلوك الإنساني التي تتكرر آلاف المرات ، في كل مجتمع مهما صغر ، وتكاد تكون هي الظاهرة الغالبة في كل سلوك إنساني ، تدفع إليه دوافع لا تلتقي أهواؤها مع الدوافع الأخلاقية النبيلة على طريق واحد ، فيلاحَظ من سلوك الناس فيها فعل الشرّ والإثم والبغي والعدوان ، لا فعل الخير والحق والعدل والفيلة وما هو حسن .
إن هواه في محاربة الدين والأخلاق قد أسقطه في تفاهات فكرية لا يسقط بمثلها الصغار جداً ، فضلاً عن الكبار والعلماء وأعلام الرجال الباحثين .
وكلمته التي قالها في شأن الأم التي تسعى وراء شفاء طفلها : إنها لا تحتاج إلى مشرعين أخلاقيين ، وإنما تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب . نقول في مقابلها :
إن الذين يموتون على أيدي الأطباء المهرة ، وفي المستشفيات المختلفة ، نتيجة الإهمال والرغبة بابتزاز الأموال ، لا يحتاجون إلى أطباء مهرة ، وأمهات حانيات رؤومات ، وإنما يحتاجون إلى تشريعات أخلاقية صارمة ، ومراقبين أخلاقيين ، يأخذون على أيديهم .
الثانية : حين لعب لعبة الزحف التعميمي ، من النظريات الأخلاقية التجريدية التي بدأ بها كلامه ، والتي قال عنها : "إنها غير ذات جدوى" ، إلى التشريعات الأخلاقية العملية التي أنهى بها كلامه ، بعد أن احتج بمثال الأم التي تسعى وراء شفاء طفلها ، واعتبر بذلك النظريات الأخلاقية التجريدية تشمل بمفهومها التشريعات الأخلاقية العملية التي تضبط سلوك الناس عن الانحراف ، بتوجيه قانوني ومراقبة اجتماعية .
فهو كمن قال : نحن لا نحتاج إلى الفلسفة النظرية لأصل اللغات . إذن فنحن لا نحتاج في اللغة العربية إلى قواعد النحو وتطبيقاتها على الكلام العربي .
هذا زحف تعميمي فاسد ، ينتقل به الزاحف من موضوع إلى موضوع ، ومن قضية إلى قضية أخرى مباينة لها تماماً ، والجسر بينها قد يكون كلمة موجودة في كل القضيتين ، لكنها في إحداهما غير تماماً في الأخرى .
إن مثل "رسل" لا يخفى عليه فساد مثل هذا التعميم ، لكنه إذا أراد التضليل تغابى ، لعل تغابيه يكون حيلة ينخدع بها الأغبياء ، فيأخذون فكرته التي طرحها بالقبول ، ويعتقدونها مبدأ ، وبذلك يكون قد وصل إلى هدفه من تضليلهم .
الكاشف الثالث : جاء إلى الحقيقة المهمة التي كشف عنها الدين ، وأقرتها العقول الإنسانية الحصيفة ، خلال التاريخ الإنساني الطويل ، وهي التي تثبت تكريم الإنسان وارتفاع قيمته بالنسبة إلى سائر الكائنات المدركة بالحواس ، وذلك بسبب ما لديه من خصائص علمية ، وأدوات معرفة ، وما لديه من صفات نفسية ، وأهمها حرية الإرادة ، بما لديه من قدرات فكرية ونظام جسدي يستطيع بهما السيطرة على الأرض بكل ما فيها ، والانتفاع من كثير من الطاقات المنبثة في السماء والأرض .
جاء "رسل" إلى هذه الحقيقة المهمة ، فألغاها بمجرد توجيه كلمة الإنكار ، لقيمة هذا الإنسان وبمجرد الإعلان بأن الإنسان جزء لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة .
إن الاعتراف بقيمة الإنسان في هذا الوجود ينبه الفكر الإنساني ، على أن هذا الكائن لم يمنح هذه القيمة ، ولم يُعط هذا التكريم ، ولم يزود بجملة الخصائص الممتازة التي زود بها ، إلا ليوضع موضع الامتحان في ظروف هذه الحياة .
والاستدلالات المنطقية ترشد الفكر المستنير من خلال هذا المنطلق ، إلى قضيتين :
الأولى : قضية الإيمان بالرب الخالق الواهب ، الذي منح الإنسان خصائصه ، وفضله وكرمه .
الثانية : ما يستتبعه الامتحان من ضرورة إقرار مبدأ الجزاء ، لأن الامتحان بلا جزاء عبث ، والإيمان بالجزاء يشق الطريق إلى الإيمان باليوم الآخر .
ولما كان من الأهداف الرئيسية لفلسفة "رسل" والمقررة في خطته سلفاً ، أن يزلزل لدى قُرّائه عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر ، وما تستتبعه هذه العقيدة من مفاهيم ، كان عليه أن يأتي إلى كل الجذور الفكرية التي يمكن أن تهدي العقل البشري إلى هذه العقيدة ، فيقتلعها ، ولكنه لا يجد حجة منطقية يقتلعها بها .
إذن : فلْيَلْبَس ثوب الفلسفة العميقة العقيمة ، وليقدم آراءه الفلسفية أقوالاً تقريرية لا دليل عليها ، فهذه الأقوال المزيفة سيكون لها قيمة لدى الأغرار المفتونين بزخرف الفلسفات المعاصرة ، ما دام الذي يقدمها فيلسوفاً مرموقاً جداً ، وصاحب مؤلفات روجتها وسائل الإعلام المغرضة المضللة ترويجاً عظيماً ، وتقبّلتها الرؤوس الفارغة من الموازين الصحيحة .
كيف ينكر "رسل" قيمة هذا الإنسان ، ويعتبره جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة؟!
إن هذا الإنكار لأمر عجيب أن يصدر من مثله علماً وفلسفة .
أي كائن آخر في هذا الكون المشهود لنا استطاع أن يتوصل بالملاحظة والتجربة والاستنباط إلى كوامن قوى الكون ، ويستخدمها في أغراضه الخيرة والشريرة؟!
أمع كل ما وصل إليه الإنسان ، من منجزات علمية وحضارية رآها فيلسوف القرن العشرين الميلادي بكل حواسه ، يظل الإنسان في نظره جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة؟!.
إنني لا أعتقد مطلقاً أن تكون هذه عقيدته الداخلية ، إنما هي أقوال يصدرها ليفتن بها الذين يثقون بفلسفته من أجيال هذا العصر ، خدمة للمخطط الرامي إلى نشر الإلحاد في الأرض ، وتدمير القيم الأخلاقية .
الكاشف الرابع : زعم "رسل" أن العلم – الذي يشكل المصدر الوحيد لمعرفتنا- لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله ، أو بخلود النفس .
ولقد عرفنا أنه حصر "العلم" بالعلم التجريبي ، المستمد من الكون المادي ، وما تعطيه التجربة بشكل مباشر .
وهذا يعني أنه يرفض الاستنباط والاستنتاج العقلي ، مع أنه قد ناقض نفسه في هذا الموضوع بالذات ، إذ قال :
" إن تصورنا العلمي للكون لا تدعمه حواسنا التجريبية ، بل هو عالم متسنبط كلياً".
وإذ قال أيضاً:
" إنه قد توصل بعد دراسات استنفدت كل عمره ، إلى أن الاستنباط الذي لا يمكن إيضاحه ، يعتبر أيضاً مقبولاً وجائزاً ، وعند رفض هذا النوع من الاستنباط سوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل".
وإذ قال أيضاً:
" كلما تقدم العلم ازداد فيه عنصر الاعتقاد ، فبعض الأشياء في العلوم حقائق مشاهدة ، ولكن الأشياء العليا تجريدات علمية ، يتم استنباطها بناءً على المشاهدة".
وزعم أيضاً أن الكون بدأ من السديم ، ودار عبثاً في أحقاب مديدة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن ، وسوف يصطدم بعضه ببعض ، ويعود بعد ذلك إلى مثل ما كان عليه أولاً.
هنا نقول له كاشِفين زيوفَه :
ترى هل فسح العلم لديه مجالاً لهذه المزاعم الخيالية ، التي لا يقدم العلم شيئاً منها ، بعد أن لم يفسح المجال للاعتقاد بوجود الله أو بخلود النفس بحسب زعمه؟!!
إنه يقفل أسوار العلم ، ويحصره في المعطيات التجريبية المباشرة ، فيبعد عنه قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر ، التي يستنبطها العقل استنباطاً ، ويستنتجها استنتاجاً يقينياً ، بعد مشاهدته ظواهر الطبيعة ، وآيات الله في الكون ، وبعد رجوعه إلى موازين الفكر الثابتة ، التي تتفق عليها عقول الناس جميعاً . فيزعم أن العلم لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله ، أو بخلود النفس .
ثمّ يأتي في مقابل ذلك فيقدم مزاعم خيالية ، دون استدلال علمي ، ودون استنباط عقلي ، ومن المعلوم أن العلوم التجريبية لم تثبت شيئاً من هذه المزاعم .
ثمّ يأتي أيضاً في غير قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر ، فيقرر أن التجريدات العلمية العليا التي يتم استنباطها بناءً على المشاهدة لا يجوز رفضها ، وإلا فسوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل .
إنه هنا في هذه القضايا استطاع أن يدرك أن العلم يفسح مجالاً للتجريدات العلمية العليا ، ورأى أن الاعتقاد بها أمر ضروري .
ما بالُه زعم أن العلم لا يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله ، أو بخلود النفس ، مع أن هاتين القضيتين هما من التجريدات العلمية العليا ، التي لا يقتصر استنباطها على فئة العلماء ، بل يتوصل إلى إدراكها معظم الناس ، بل كل الناس لو وجهوا أفكارهم للبحث عنها؟
هذا تناقض منطقي سقط فيه "رسل" وما أسقطه فيه إلا هواه الموجه ضد قضية الإيمان بالله واليوم الآخر .
الكاشف الخامس : زعم "رسل" أن فكرة الخلود فكرة بالغة البطلان والاستحالة ، إذ لو كان الخلود هو المصير الذي ينتصر النفس بعد الموت ، فما السبب إذن في عجز النفس عن أن تشغل لها حيزاً إلى جانب الجسد في هذه الحياة الدنيا؟
ما أشد ضعف هذا الاستدلال لإبطال فكرة بقاء الروح بعد الموت ، ولإبطال فكرة الحياة الآخرة والخلود فيها .
إذا كانت ظروف هذه الحياة الدنيا تستدعي كون الجسد المادي هو الوعاء أو الثوب الذي تظهر به في الماديات حركة الروح ، وتظهر به نشاطاتها .
وإذا كانت خطة الخالق الحكيم القدير قضت ذلك .
فهل يفيد ذلك أن الروح قد عجزت عن أن توجد مستقلة عن الجسد؟!
إن هذا الفهم السطحي القاصر هو من لوازم الانغلاق في حدود بعض ظواهر المدركات الحسية ، على أن التعمق القليل فيها يكشف أن معظم الماديات أوعية لطاقات هائلة ، وهذه الطاقات ليس لها وجود مستقل في غير أوعيتها .
يضاف إلى ذلك أن البصيرة العقلية ومستنبطاتها التجريدية لا تسمح مطلقاً بالانغلاق في حدود المادة .
إن الشيء الذي لا نشاهده في الواقع الحسي لا يلزم عقلاً أن يكون غير ممكن الوجود ، فعدم الوجود فعلاً لا يدل على استحالة الوجود .
فما بالك بالحكم على الواقع بأنه غير موجود ، وبأنه مستحيل ، لمجرد أننا لم نشاهده في دوائر حواسنا المحدودة جداً ؟!.
إن هذه المادّية السطحيّة ذات النظر القاصر ، حتى من وجهة نظر العلميين المادّيين ، فضلاً عن الذين يؤمنون بأن في الوجود الكبير حقائق كبرى ، لا تستطيع الوسائل العلمية التجريبية أن تتوصل إلى إدراكها وإثباتها ، وإنما ثبتها العقل بتأملاته الاستنباطية ، القائمة على اللوازم المنطقية ، والبراهين العقلية .
أبهذا الاستدلال الواهن الواهي جداً يقرر الفيلسوف "رسل" إمام ملاحدة هذا العصر : أن فكرة خلود النفس فكرة بالغة البطلان والاستحالة؟!
إنه لسخف عجيب ، ومسلك من أمثاله غريب!!
الكاشف السادس: حين سُئِل "رسل" : هل يحيا الإنسان بعد الموت؟ وأجاب بالنفي ، ثمّ شرح جوابه بالمقولة التي سبق ذكرها لدى عرض آرائه . لم يقدّم غير الإنكار ، وادّعاء أنه من الصعب اكتشاف مبرر عقلي لهذه الحياة بعد الموت ، وادعاء بأنه ليس له مرتكز أو أساس علمي .
وأكرر هنا ما كتبته في كتاب "صراع مع الملاحدة حتى العظم" فأقول :
لا بدّ أن نضع كلام "رسل" تحت مناظير البحث العلمي ، لنرى قيمته من الوجهة العلمية .
ليس غريباً على "رسل" بعد أن اختار سبيل الإلحاد بالله ، واعتبار الكون ظاهرة مادية بحتة ، على خلاف ما قدّمته الأدلة البرهانية العقلية ، والاستنباطية من الظاهرات الكونية ، أن يصعب عليه – في الإطار المادي الصرف – اكتشاف المبرّر العقلي للحياة بعد الموت .
وليس غريباً عليه بعد ذلك أن لا يجد لعقيدة الحياة بعد الموت ، وعقيدة الدار الآخرة للحساب والجزاء ، مرتكزاً علمياً يستند إليه .
إن من ينكر حياة كائن ما بغير دليل ، يجد من الصعب عليه أن يكتشف المبرِّر العقلي لوجود إرادة لهذا الكائن ، لأن إرادته فرع لتصور حياته ، وبعد إنكار الأصل يكون إنكار الفرع شيئاً طبيعياً ، ومذهباً سهلاً ، لكن هذا الإنكار لا يعبّر عن الواقع بحالٍ من الأحوال .
إن الإيمان بالحياة بعد الموت للحساب والجزاء ، في دار غير هذه الدار ، قضية تعتمد على أصلين:
الأصل الأول : الإيمان بالله الخالق وعلمه وقدرته وحكمته وعدله ، فمن آمن بالله وبحكمته وعدله ، وضحت له ضرورة الجزاء ، بعد ظروف الامتحان في هذه الحياة الدنيا .
الأصل الثاني : الإيمان بالوحي الرباني ، وما جاء عنه من أخبار على لسان المرسلين .
فمن آمن بالله وبرسله ، كان لزاماً عليه أن يصدّق بالأخبار التي تأتي عنه على لسان رسله . ومنها الأخبار التي تبين وقائع المستقبل الذي قضاه الله بمقتضى حكمته ، فهو آتٍ لا محالة كما قضى وكما أخبر .
إن قضية الجزاء قضية عقلية لا محالة ، وهي مستندة إلى القضية العقلية الأولى ، وهي الإيمان بالله وكمال صفاته ، ومنها حكمته التي لزم منها أن لا يكون الامتحان في هذه الدنيا عبثاً ، فلا بد بعد الامتحان من حساب وجزاء ، في حياة غير هذه الحياة .
لكن الدار الآخرة وما فيها من جنة ونار قضية خبرية ، تستند إلى ما اختاره الخالق ، فوضعه في خطة الخلق ، وجعل له زماناً يتم فيه تنفيذه . وهي ليست قضية عقلية بحتة ، حتى نبحث في نطاق العقل عن دليل يدل عليها ، دون الاستناد إلى خبر عن الله صاحب الخطة .
لو أن عالماً من علماء الحيوان تحدث عن وجود حيوان بري غريب رآه بعينيه ، وأخذ يصف مشاهداته الحسية له ، ثمّ جاء سماك فقال :
لا أجد المبرر العقلي لوجود هذا الحيوان الغريب الذي يتحدث عنه هذا العالم ، فأنا لم أشاهد في البحر نظيره ، لما كان كلامه أكثر سقوطاً من ناحية الاستدلال العلمي من كلام "برتراند رسل" ، إذ أنكر وجود الحياة بعد الموت في ظروف غير ظروف هذه الحياة الدنيا ، على الرغم من أن هذا الرجل فيلسوف وعالم واسع الاطلاع ، إلا أن الهوى قد يحوّل العقل الفيلسوف الكبير ، إلى عقل هذا السماك .
وأضرب مثلاً آخر يشابه إنكار "رسل".
لو أن شركة "مرسيدس" الألمانية ، وضعت في خطتها أن تنتج سيارة بعد ربع قرن ، ذات صفات معينة حددتها ، ورسمتها ، وقدمت فيها لعملائها بعض مصوراتها ، وذكرت لهم قرارها في ذلك ، وقدمت لهم عروض مبيعات رخيصة الثمن على طريقة السلف ، أو السلم .
ثمّ جاء حوذي عربة نقل تجرها البغال في الأدغال ، فقال : لا أجد المبرر العقلي لإمكان وجود هذا النوع من السيارات التي قررت إنتاجها شركة "مرسديس" التي لا أعرفها ولا أؤمن بوجودها .
ألا يوجد تطابق كبير بين حال هذا الحوذي في إنكاره ، وحال "رسل" الفيلسوف الكبير؟.
فاعجب للهوى كيف يسقط صاحبه!!
لقد أراد "رسل" أن يخضع الدار الآخرة ، والحياة الأخرى ، للمقاييس التجريبية التي نخضع لها ظواهر هذا الكون المادّية ، في ظروف الحياة الدنيا التي نعيش الآن فيها ، مع أن الدار الآخرة ، والحياة الأخرى ، لا تخضعان منذ الآن لهذه المقاييس ، وهما عنا وراء ستار الغيب الذي أخبر عنه خالقه وواضع خطته القدير العليم الحكيم .
إن "رسل" بقياسه هذا يشبه من يزن الضغط الجوي بميزان البقال ، أو يزن الكثافة بميزان الحرارة ، أو يقيس الذكاء بمساحة الجمجمة ، أو يزن بحور الشعر بالسانتمتر .
ما هو مبلغ إنكار أي فيلسوف من الصحة ، إذا هو أنكر قراراً أصدرته دولة كبيرة قادرة ، بأنها ستنشئ في برنامج خطتها لربع قرن ، مدينة نموذجية بديعة جداً ، ولا تسكن فيها إلا الصالحين من شعبها ، وسجوناً لمعاقبة الجانحين والخارجين على قوانينها وأنظمتها؟!
فإذا قال فيلسوف كبير: لا أجد مبرراً عقلياً أو علمياً يؤكد أن مَنْشَأَتين من هذا القبيل ستحدثان ، أفيكون كلامه مقبولاً لدى العقلاء الذين علموا بقرار الدولة؟.
كان الأحرى به أن يبني إنكاره لقضية الحياة بعد الموت ، والدار الآخرة ، على إنكاره لخالق الكون ، وذلك لأنه بجحوده للأساس الأول لزمه أن يجحد كل ما يلزم عنه ، وعندئذٍ تكون مناقشته من مواقع هذا الأساس ، لا مما يتفرع عنه ويُبنى عليه .
إن من يعتبر أن أساس الوجود مادة لا حياة فيها ، ولا علم ولا إرادة ولا حكمة ، لا بد أن يتصور أن الكون لا يمكن أن يهتم بآماله ورغباته وآلامه وسائر مشاعره ، فيقول مقالة "رسل" :
"لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا ، فليس لنا حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً فعواطفنا وآمالنا".
لكننا إذا تعمّقنا في دراسة نفوس الملاحدة ، الذين أنكروا وجود الله جحوداً ، بعد النظر في الأدلة على وجوده ، نجد أنهم هم الذين يريدون أن يكيّفوا الكون وفق رغباتهم وأهوائهم ، وذلك لأن الإيمان بالدار الآخرة والحياة الآخرة ، إنما هو إيمان بمحكمة العدل الرباني ، وما تستتبع من جزاء ، والرغبات الإنسانية لو تركت وشأنها لحلا لها أن تتخلص من قانون الجزاء لكي تنطلق في فجورها دون أن تقف في طريقها حدود أو ضوابط .
فقضية الإنكار هي القضية التي تحاول إخضاع الواقع الكوني للأهواء والعواطف والرغبات والشهوات ، لا قضية الإيمان باليوم الآخر .
وقد كشف القرآن هذه الحقيقة من حقائق نفوس المنكرين ، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (القيامة/75 مصحف/31 نزول):
{بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ}
بهذا التحليل تبين لنا أن الأمر على عكس ما ادّعاه "رسل" تماماً ، إذ أن عقيدة الدار الآخرة عقيدة قائمة على مفهوم الجزاء والعدل ، والإنسان ميال بأهوائه وشهواته إلى أن يصرف عن تصوره قانون العدل الرباني وما يتصل به ، لينطلق في حياته فاجراً ، دون أن تقف في طريقه تصوّرات قانون العدل .
لكن الله غر مستعد لأن يغير من سننه وأحكامه ومقاديره القائمة على أسس من علمه وحكمته وعدله ورحمته وفضله ،تلبيةً لرغبات الفاجرين .
فما حاول أن يستند إليه "رسل" هو في الحقيقة دليل ضدّه ، وليس دليلاً له ، هذا إذا قبلنا بالمنهج الذي سلكه في الاستدلال .
الكاشف السابع : ما صبّه "رسل" من شتائم ضد الدين , إذ زعم أن الدين لا يقوم إلا على عوامل الترهيب والتلويح بالعقاب ، كلام كذب على الدين .
وذلك لأن الدين يقوم على ثلاثة عناصر أساسية:
الأول : الهداية الفكرية للتي هي أقوم ، وهي تشتمل على وسائل الإقناع ، والتعليم ، والتربية المختلفة ، وإيجاد الحافز الذاتي للفعل حباً بالخير ، وابتغاء مرضاة الله .
الثاني : الترغيب بالثواب العظيم ، لمن آمن واستقام ، وبهذا الترغيب يمارس المؤمن الاستقامة وفعل الخير والأعمال الصالحة ، مدفوعاً بحافز الأمل الكبير فيما أعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، من أجر عظيم ، وثواب جزيل ، في جنة الخلد ، دار النعيم المقيم الذي لا نهاية له.
الثالث : الترهيب من العقاب بالعدل ، الذي رتبه الله للذين كفروا ويعملون السيئات .
وقد أعتد الله لهذا العقاب بالعدل ، داراً للجزاء الأكبر ، بعد ظروف هذه الحياة الدنيا .
وهذا الترهيب نفسُه مقرون بالترغيب في التوبة ، والعفو ، والغفران ، وتكفير السيئات لمن تاب واستغفر ، ما دامت ظروف الامتحان قائمة في هذه الحياة الدنيا .
وباستطاعة أي إنسان أن يستدرك أمره ، فيتوب من ذنبه ، ويستغفر الدين ، على خلاف ما زعم "رسل" .
أما وجود الجانب الترهيبي فهو ضرورة ، لا تستقيم المجتمعات البشرية ، ولا تتحقق ، إلا به .
فهل صحيح كما زعم "رسل" أن الدين لا يقوم إلا على عوامل الترهيب والتلويح بالعقاب ؟
وهل صحيح أن الدين يشكل ضرباً من ضروب الشر التي تملأ هذا العالم؟.
الواقع أن أعظم قسط من الشر في العالم ، هو ما يمارسه الملاحدة الماديون الذين لا دين لهم . ومها اقترب الإنسان من الاستمساك بالعقائد والشرائع الدينية الصحيحة خفت الشرور عنده .
وأقل الناس في الدنيا شراً ، وأكثرهم خيراً هم المؤمنون بالله واليوم الآخر ، الملتزمون تعاليم الدين الحق ، وهم يرجون ثواب الله ويخشون عقابه .
وقد عرفنا في تاريخ البشرية أن المحرومين من فضائل الأخلاق هم الذين ينفرون من الدين ، لأنه يفرض عليهم الأخذ بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ، وكلما اشتد في الإنسان الانهيار الخلقي ابتعد عن الدين حتى دركة الإلحاد والكفر بالله واليوم الآخر .
وبرهان ذلك الملاحدة الشيوعيون ، من مستوى الفرد الشيوعي ، حتى أكبر دولة شيوعية ملحدة ، وكذلك سائر الماديين الملحدين .
أما النضج العقلي الصحيح فمن ثمراته الإيمان بالحق ، ولما كان الدين الصحيح هو مجمع عناصر الحق الكبرى ، التي تكشف مبدأ الإنسان وواجبه ومصيره ، كان نوابغ الدهر المتمتعون بالنضج العقلي الصحيح ، قمة الآخذين بالدين ، والمستمسكين بتعاليمه ، والداعين إليه .
وأما زعم "رسل" : "أن المعايير الدينية تناهض بطبيعتها جميع المعايير الإنسانية الخيرة التي يجب أن تسود عالمنا الحديث".
فلست أدري عن أي معايير يتحدث ، إنه لم يذكر لنا معياراً واحداً من معايير الدين التي يرى أنها تناهض جميع المعايير الإنسانية الخيرة ، التي يجب – فيما يرى – أن تسود عالمنا الحديث؟!.
إن من أسس معايير الدين التي نعلمها ، وجوب إحقاق الحق وإبطال الباطل ، ووجوب إقامة العدل في الأرض ، ووجوب الدعوة إلى فعل الخير وترك الشر . ونجد من أسس معايير الدين تكريم الإنسان ، ونشر الإحسان في الأرض ، ونجد فضائل التعاون والتآخي والنظام وإتقان العمل ، ونجد محاربة الفحشاء والمنكر والبغي ، ومقاومة الرذائل ، لأن من شأنها جلب الشرور للإنسانية . ونجد من أسس معايير الدين العمل على إسعاد البشرية ورفاهيتها ، وإزالة العداوات والبغضاء التي تولّدها أنانيات أفراداها وجماعاتها ، إلى غير ذلك من معايير لا تجد البشرية أكمل منها ولا أفضل ...
فعن أي المعايير الدينية يتحدث ، حتى نناقشه في ادّعائه بأنها تناهض جميع المعايير الإنسانية الخيرة؟!.
أهكذا تُطلَق الشتائم دون أي دليل ، ودون ذكر أي مثال واحد للمدعي؟
ومع ذلك فإن أحكام "رسل" تأتي أحكاماً تقريرية لها صفة الشمول والعموم .
أهذا هو المنهج العلمي الرصين للفيلسوف الكبير؟!.
واعجباً!!


منطق الملحدينْ * * * منطقٌ مبتكر
من عُواءِ الكلابْ * * * أو قرون البقرْ
فاسخري يا عقولْ * * * واهزؤوا يا بَشَرْ

الكاشف الثامن: زعم "رسل" أن حرية الاختيار في الإنسان تغنيه عن البحث عن نظريات أخلاقية لا طائل وراءها ، مدّعياً أن إرادته الحرة تدفعه إلى أن يقيم لنفسه مُثلاً عليا ، يطمح بها إلى تحقيق حياة خيّرة تسير على هدي المعرفة والمحبة الإنسانية .
هذه الدعوى الباطلة التي قدّمها دون أي دليل ، منقوضة ببرهان التحليل النفسي ، وبرهان الواقع .
أما التحليل النفسي فيثبت أن الإرادة الحرة في الإنسان قوة موجهة للسلوك الإنساني حقاً ، إلا أنها تقع تحت تأثير باعثين داخل نفسه : فتقع تحت تأثير العقل الهادي إلى الخير أحياناً ، وتقع تحت تأثير الأهواء والشهوات والنزعات النفسية المختلفة أحياناً أخرى ، وعندئذ يضعف باعث العقل أو يُغشى عليه ، فتفسد رؤيته .
فو ترك الإنسان وشأنه دون ضوابط أو روادع أخلاقية تحدّ سلوكه في طرق الخير والفضيلة وكل ما هو نافع ومفيد ، لكانت إرادته الحرة عرضة لمؤثرات أهوائه وشهواته وأنانياته ونزغاته الجاحنة إلى سُبل الشرّ ، بنسبة أعظم بكثير من تأثرها بالمعرفة النافعة والمحبة الإنسانية .
وما من إنسان إلا يعرف هذا من نفسه ، ومن كل من عرف من الناس .
وأما برهان الواقع فيقدمه واقع حال الظالمين والطغاة والبغاة والمجرمين وكل العصاة في الأرض . وهؤلاء هم النسبة الأكثر في مجموعات الذين لا يخشون الله واليوم الآخر ، ولا تحد من انطلاق إرادتهم الحرة ضوابط أخلاقية مقرونة برجاء ثواب ، أو خوف عقاب .
الكاشف التاسع : السلوك الأفضل الذي رآه "رسل" هو الإباحية الجنسية ، وصور الزواج الجماعي .
ولذلك اعتبر أن التشريعات الأخلاقية الجنسية إنما ترتكز على تصورات خرافية باطلة .
إنه يدعو إلى هذه الإباحية الفوضوية ، رغم ما فيها من شرور صحية واجتماعية ، وانتكاس للمجتمع البشري ، ومنافاة للشروط السليمة التي تضمن سعادة الجنس البشري واستقراره وطمأنينته ، وسعادة الأسر والأنسال .
على أننا نقول : إن من هان عليه أن يجحد الحقائق الكبرى ، التي تتصل بمبدأ الإنسان وواجبه ومصيره ، لا بد أن يجد الإباحية الجنسية أمراً سهلاً ، فقد أبعد عن تصوّراته وظيفته في الحياة ، وأنه عبد مخلوق ممتحن ، وأن عليه إذا أراد أن يجتاز الامتحان بنجاح أن يؤمن بربّه أولاً ، ثمّ يعبده ثانياً ، فيطيعه ولا يعصيه ، والطاعة تكون بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه .
ويلاحظ هنا أن المكر الشيطاني يعتمد على تزيين ما تستحليه النفوس ، ودغدغة مواطن الشهوات ، لإيقاظها وتهييجها ، وتبرير انطلاقها الوقح الفاجر ، وإغضاء النظر عن العواقب الوخيمة التي تنتج عن ذلك .
الكاشف العاشر : اعترف "رسل" بأن السعادة هي المطلب الأسمى للإنسان في هذا الوجود .
إلا أنه أراد أن يضلل قراءه ، إذ حاول الإيهام بأن السبيل الوحيد للوصول إلى السعادة هو الانطلاق الفاجر الوقح إلى تلبية رغبات النفوس وأهوائها وشهواتها ، دون اكتراث بعوامل الخوف من الجزاء .
وجعل هذا الانطلاق الفاجر الوقح من فضائل الشجاعة والإقدام ، وزعم أن الإنسان يقهر بهذه الشجاعة وعوامل الخوف والإرهاب ، اللذين دأبت الحياة والشرائع الأخلاقية على التلويح بهما في وجه الإنسان .
ولكن ماذا سيحصل لو أن الإنسان خلع حياءه ، ولم يبق لديه خوف من الجزاء ، وانطلق في الحياة انطلاقاً فاجراً ، تدفعه إليه أهواؤه وشهواته وأنانياته؟
إنه حتماً سيكون وحش مسعور ، وبانطلاق الوحوش المسعورة من كل مكان يعم الظلم والطغيان ، والفسق والفجور والعصيان ، ويكثر القتل ، وتنهار أبنية الحضارة .
أليس هذا هو حال المجرمين في الأرض وقطاع الطرق؟
نعم : هذه هي النتيجة التي يريدها هذا الفيلسوف وأمثاله ، ومنظمات التدمير البشري التي دفعته لإطلاق قنابل التدمير الإلحادية ، والإباحية غير الأخلاقية .
الكاشف الحادي عشر : من الخرافات التي تلبس ثوب العلم ، خرافة دراسة الإنسان ذي العقل والإرادة الحرة ، ذات الاختيارات المتناقضة في الأفراد ، وفي الفرد الواحد بأزمان مختلفة ، كدراسة الأشياء غير ذات الإرادات الحرة ، والمسيرة بطبائعها الجبرية .
وعلى هذه الخرافة قامت أبنية الفكر الإلحادي ، والفكر المادي بوجه عام .
واعتماد عليها قال "رسل" :
"إن تحقيق السعادة على وجهها الأكمل للإنسان لا تتم إلا بدراسة الطبيعة ، حتى في صورته الإنسانية دراسة علمية".
أي : كما تدرس في المعامل الأشياء في الطبيعة ، كسلوك الذرة ، وسلوك الخلية ، وكما يدرس النبات ، وتدرس الحشرات ، والأسماك والضفادع ، وغير ذلك من الكائنات في الطبيعة .
هذا التوجيه الخرافي يدعو إلى إطلاق السلوك الإنساني دون أي ضابط ، ثمّ إلى دراسته كما هو في الواقع ، واعتبار هذا الواقع هو الصورة الكاملة الصحيحة لسلوك الناس ، وبه تتحقق سعادة الإنسان ، أي : ولو استشرت قوة الأقوياء ، وأهلكت معظم البشرية ، وظلمتهم وعذبتهم واستعبدتهم .
الكاشف الثاني عشر : كلام "رسل" عن تطور الكون من السديم الذي دار عبثاً ، حتى وصل إلى ما هو عليه الآن من إتقان عجيب عن طريق المصادفة ، وأنه سيعود إلى ما كان عليه عند انطلاقته الأولى ، وأنه لا أمل لكائن بعد ذلك بشيء ، كلام خيالي صرف ، وهو لا يعبّر بحال من الأحوال عن أية حقيقة علمية .
إنه محض تخيل يجري نظيره في خيال أي كاتب لقصة خرافية .
إن مدعي الالتزام بالمناهج العلمية يزعمون أن العلم هو ما تقدمه التجربة ، ويخضع للاختبار المعملي ، حتى إن "رسل" قد حصر العلم – كما سبق بيانه – في العلوم الطبيعية وحدها ، فما باله هنا يتجاوز حدود العلوم الطبيعية والمعارف العقلية إلى الخيال المحض ، ثمّ يجعل من هذا الخيال حقيقة علمية .
وما بال الملاحدة يعتبرون مثل هذه القصة الخيالية التي تتحدّث عن الكون من الأزل إلى الأبد ، هي النظرة العلمية ، مع أن موضوعها لا يمكن إخضاعه لا للتجربة ، ولا للملاحظة ، ولا للاستنتاج العقلي .
إنهم يجعلون الاستنتاج العقلي المنطقي خارج قوس النظرة العلمية ، لأن الاستنتاج العقلي المنطقي مهما كان دليله برهانياً ، ليس ثمرة التجربة الحسية .
فلماذا إذن يجعلون الأوهام الخيالية الخرافية داخل قوس النظرة العلمية ، وهي غير ذات قيمة مطلقاً ، لا عند العقل ولا عند الحس ، إنه الهوى والتَعَصُّب الأعمى ضدّ قضيّة الإيمان بالله الخالق؟
ما أبعد المناهج العلمية عن القصص التقريرية الخيالية ، التي تستنتجها أخيلة الكتاب والأدباء والشعراء ، أو أخيلة واضعي الآراء والمذاهب الباطلة ، لأغراض معينة!!
أين الأمانة الفكرية والأمانة العلمية التي يزعمونها ؟!.
أهذا هو المنهج العلمي السليم لديهم؟!.
لا بد أن يكتسحهم الحق كما اكتسح الذين من قبلهم من أهل الضلال في تاريخ البشرية ، ولا بد أن يقذفهم كما يقذف السيل الزبد .
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ...*}.
{وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}.

شارك بالموضوع
  • معلومات
  • الموجودون الآن

    الاعضاء المتصفحين: لا مشتركين و 2 زوار